الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 تعاملت وسائل الإعلام العربية باهتمام شديد مع تصريح مثير أطلقه قبل أيام سفير بريطانيا لدى الكيان الصهيوني شيراد كوبر، فخلال اجتماعه بعاموس جلعاد منسق عمليات الجيش الصهيوني في الضفة الغربية، وصف السفير البريطاني الضفة الغربية بأنها «أكبر معسكر اعتقال في العالم». وكان لتصريحه صدى رسمي إذ أثار غضب وزارة خارجية الكيان الصهيوني التي قالت على لسان مصدر رفيع المستوى: «لقد نسي السفير أن عهد الانتداب البريطاني ولى» !! وفي الحقيقة فإن التصريح يمكن أن يقرأ في سياقات عدة. فهو على المستوى المباشر لمعناه ومدلوله كتصريح رسمي هو، أولا شهادة مهمة تدخل في باب «وشهد شاهد من أهلها»، كما أنه انتقاد حاد من دولة تربطها بالكيان الصهيوني علاقات خاصة عمرها عدة عقود، ومن ثم فاهتمام الإعلام به طبيعي. غير أن ثمة سياقات أخرى أكثر تركيبا وعمقا نود أن نتوقف معها. أول ما يلفت النظر في التصريح استخدامه تعبير «معسكرات الاعتقال» لتشبيه وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو تعبير تفوح منه روائح عنصرية - وبالتحديد نازية - تحمل ضمنا اتهاما للصهاينة بأنهم يرتكبون بحق الفلسطينيين جريمة مشابهة للجريمة التي ارتكبها النازي بحقهم، وهي لغة تستخدم للمرة الأولى علنا بين الحليفين. ويوحي رد الخارجية الإسرائيلية بأن التعبير نكأ جرحا جعل مسئوليها يردون الصفعة بمثلها فذكروا السفير البريطاني بأنه سفير «أسد عجوز» لم يعد زئيره يخيف أحدا، والإحالة على عهد الانتداب البريطاني يحمل المدلول نفسه الذي يحمله استخدام تعبير «معسكرات الاعتقال»، فالانتداب والمعسكرات كلاهما مفردات معجم واحد وعصر واحد. ومن ناحية التوقيت يأتي التصريح بعد قليل من حديث رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن ضرورة تطبيق الكيان الصهيوني قرارات الأمم المتحدة، وقد استشعرت القيادة الصهيونية ما يحمله التصريح البريطاني من مخاطر فانتقدته في حينها بل حاولت الحصول على تصريح رسمي أميركي مناقض لتصريح بلير وهو المسعى الذي لم يكلل بالنجاح. لكن تصريحات بلير وسفيره لا تعني تحولا إيجابيا في الموقف البريطاني الرسمي من الصراع العربي الصهيوني، فهدفهما الأول التغطية على مشروعات سياسية خطيرة في سياق الملف العراقي يراد تمريرها بإطلاق مثل هذه التصريحات كقنابل دخان تحجب المشهد الحقيقي وينشغل بها المحللون والإعلاميون ويجهدون أذهانهم في بناء تصورات إيجابية عليها. من ناحية أخرى يحمل التصريحان معا دلالة أن بريطانيا ترى حكومة الكيان الصهيوني تستحق التوبيخ، لا لأنها لا تطبق قرارات الأمم المتحدة أو ترفض الانصياع لـ «الشرعية الدولية»، ولا لأنها حولت الضفة الغربية إلى أكبر معسكر اعتقال في العالم، بل لأنها لا تستطيع تحقيق كل أهدافها دون ارتكاب مثل هذا الأخطاء الفجة. وثمة اتجاه عام تعكسه مواقف رسمية غربية عديدة مدلولها أن الدولة الصهيونية أصبحت تدير عملية قمع الشعب الفلسطيني «بكفاءة متدنية»، وتركن للإفراط في استخدام القوة وترتكب أخطاء فادحة مصدرها الأساسي هذه الكفاءة المتدنية. وبالتالي فأن الحل ليس في بعض العدل بل في مزيد من الكفاءة حتى لا يغضب المتبوع على التابع!! ـ كاتب مصري