الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 في أحد أعداد صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية الأسبوع الماضي أن تل أبيب تلقت في الشهور الأخيرة رسائل متعددة من واشنطن تشيد كلها بالسياسة التي انتهجتها حكومة ارييل شارون في تطبيقها ما تصفه بنظرية «الدفاع عن النفس ضد الأرهاب» من دون أن تندفع الى «جعل الأوضاع مع الفلسطينيين تتدهور وتصل تاليا الى حلبة الدول المجاورة». كاتب المقال اليكس فيشمان قال ان البيت الأبيض شكر في رسائله التي وصفها بأنها «خفية»، اشارة الى أنها سرية، حكومة شارون لأنها «فهمت أساليب اللعبة» فأدركت أن مثل هذا التدهور سيشكل خطا أحمر وكابوسا بالنسبة للأدارة الأميركية وللدول العربية المعتدلة على حد سواء، وبكلمات أخرى، أضاف الكاتب، ان الولايات المتحدة تتوقع من اسرائيل في المستقبل أيضا أن تقوم بالمطلوب منها حماية لمواطنيها، لكن شرط ألا يتطاير الشرر الى حقول الجيران ويشمل العالم العربي عشية الهجوم على العراق، فـ «الأميركيون يقولون: افعلوا ما شئتم، شريطة ألا تدخلوا مجال رادارنا الموجه نحو العراق». وليس في هذا الأمر جديد أو مفاجئ، فقد عبرت الولايات المتحدة عن موقفها الداعم بالكامل لاسرائيل طيلة الفترة الماضية وبطرق مختلفة: مرة بتبني القاموس الاسرائيلي كاملا في وصف المنظمات الفلسطينية بأنها مجرد «منظمات ارهابية»، ومرة باعتبار أن ما تقوم به هو «دفاع مشروع عن النفس»، ومرة بدعوتها للانسحاب من المناطق التي أعادت احتلالها كلاميا ثم القبول واقعيا بمواصلة الاحتلال، ولكن دائما عبر مخاطبة العالم بأن ما تسعى اليه الولايات المتحدة في النهاية هو «اقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام وأمن الى جانب اسرائيل». لعبة واشنطن الا أن هناك وجها آخر لتلك الصورة الاسرائيلية - الأميركية، هذا الوجه ليس في واشنطن ولا في تل أبيب ولا في أية عاصمة دولية أخرى لا علاقة مباشرة لها بالمنطقة أوبقضاياها الساخنة، وانما في «حقول الجيران» التي تحدثت عنها الرسائل الأميركية الخفية الى اسرائيل، أي في بلدان العالم العربي بالذات وهو النأي المتعمد للعرب هل هو مخطط بعناية أيضا بأنفسهم عن الشرر المتطاير من الأراضي الفلسطينية لأكثر من سنتين حتى الآن والتعامل معه وكأنه قدر ذلك الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال، وأن لا راد له سوى مشيئة الله. هل يمكن تصور أن العالم العربي، أو بعضه على الأقل، فهم من جهته سريعا «أساليب اللعبة» التي وضعتها واشنطن بهدف معلن، هو تمرير حربها ضد العراق بأقل الخسائر وبهدف آخر مفهوم وان غير معلن هو تمرير حرب اسرائيل الابادية الشاملة ضد الشعب الفلسطيني بأكبر النجاحات ؟! بل هل ينبغي النوم على حرير واستبعاد ذلك مثل هذا التصور بشكل كامل؟! تدفع الى مثل هذا التساؤل وقائع عدة عاشها العالم العربي على امتداد الشهور الماضية، والتبس أمرها قطعا على أي مراقب في هذا العالم وحتى على المراقب في العالم الخارجي، بينما كان حمام الدم الفلسطيني يبلغ ذرى لم يكن يتصور أحد لا في فلسطين، ولا حتى في اسرائيل نفسها كما يقول بعض معلقي صحفها، أن يصل اليها. من بين هذه الوقائع يمكن، بل لا بد من، تسجيل ما يأتي: أولا: لقد غابت فجأة في المدة الأخيرة، ومن دون عذر أو مبرر أو ذريعة، التظاهرات الشعبية في العالم العربي تأييدا لقضايا الشعب الفلسطيني وتنديدا بالأعمال الاجرامية الأسرائيلية ضده سواء ما كان منها يهدر في الساحات والشوارع أو في الجامعات والكليات والمدارس أو حتى في المقار المقفلة للأحزاب والنقابات والقوى السياسية على مساحة المنطقة وصولا الى العالم الأسلامي. قيل في مرحلة سابقة ان بعض التظاهرات الشعبية الحاشدة التي شهدتها عواصم ومدن العالم العربي تأييدا للنضال الفلسطيني كانت من «وحي» أنظمة الحكم العربية التي أرادت، في ما أرادت، احتواء غضب الشارع لعجز هذه الأنظمة الموصوف عن الوقوف في وجه حرب ابادة موصوفة بدورها تشنها «دولة احتلال» بموجب القانون الدولي وتغطيها بالكامل دولة أخرى لا تفتأ بعض هذه الأنظمة العربية عن وصفها بأنها دولة «صديقة». على صحة ذلك، فلا شك في أن تظاهرات شعبية أخرى، حاشدة بدورها وحقيقية وصادقة ومخلصة، حدثت في تلك الفترة الغنية بالنبض الشعبي العارم في عواصم العالم العربي ومدنه وجامعاته ومدارسه وأحزابه ونقاباته وعلى مستوى قواه الحية، من دون أن تكون للسلطات الحاكمة يد في الدعوة الى انزالها للشارع أو في الايحاء بتنظيمها من أجل هدف مبيت. سيكون من قبيل جلد الذات توهم أن نبض الشعب العربي، الحقيقي والصادق والمخلص، قد فهم - بدوره! «أساليب اللعبة» اياها، فتوقف بقرار واع منه عن التعبير عن موقفه الداعم للشعب الفلسطيني والمندد باسرائيل وتاليا بالولايات المتحدة لواحد من سببين أو للسببين معا: اما لأنه وجد للأنظمة العربية ما يعذر به عجزها القاتل عن الفعل، أو لأنه لا يرغب بما لا ترغب به واشنطن فيمتنع عن أن يفتح في وجهها «معركة جانبية» تصرفها عن معركتها الأخرى ضد العراق أو تساهم في التقليل من احتمالات نجاحها. لكن الحقيقة المرة، حقيقة الغياب شبه الكامل للشارع العربي عن الحدث الفلسطيني الدامي في الشهور الأخيرة بما في ذلك ذكرى «انتفاضة الأقصى» في سبتمبر الماضي وتكرار احتلال المدن والبلدات والمخيمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصلا، مرة تلو المرة تلو المرة، تبقى هي الحقيقة التي تبحث بدورها عن اجابة ضائعة على سؤال هو بدوره ضائع. لماذا هذا الغياب ؟، هكذا يبدأ السؤال والى متى ؟ هكذا يكبر السؤال كلما طلعت شمس يوم جديد على المجزرة المتصاعدة في الأراضي المحتلة. ثانيا: ان ما يبدو دورة «بيروقراطية يومية» بالمعنى التقليدي للحياة السياسية في العالم العربي، سواء على مستوى السلطات الحاكمة في قصورها أو على مستوى قوى المعارضة في بلدانها أو في منافيها أو حتى على مستوى المواطن المهموم بقوته والذي لا حول له ولا قوة، انما يدفع ليس شعوب المنطقة فقط بل شعوب العالم الخارجي أيضا الى ما هو أكثر من الحيرة البالغة في فهم الأمور أو تفسيرها. فمصرع عشرات الشبان الفلسطينيين يوميا وفي أكثر من مكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهدم العديد من المنازل تارة على رؤوس أصحابها وتارة بعد اخراجهم منها الى العراء مع أطفالهم ونسائهم وشيوخهم، واقتحام المدن والبلدات والمخيمات للقتل والتدمير بدم بارد، ثم للقبض على المئات وسوقهم الى المعتقلات بعد عصب عيونهم، باتت أشبه بموجزات الأخبار التي بالكاد يهتم الحاكم العربي بقراءة عناوينها لينصرف سريعا بعدها الى أموره اليومية، أو ربما بأفلام السهرة التي يتحلق الحاكم العربي مع حاشيته وأهله حول شاشات التلفزة للاستمتاع بها قبل انتقاله الى غرفة نومه الوثيرة بانتظار أن تطلع شمس يوم جديد. وهم الانشغال! مع هذا الفيلم اليومي تعلن أنظمة الحكم العربية، بغالبيتها الكبرى، أنها مشغولة ليلا ونهارا بما تصفه الولايات المتحدة بـ «اليوم التالي» لاحتلال العراق بما يعنيه ذلك من اقامة نظام عسكري فيه بقيادة ضابط أميركي، مع أنها لو أنها فكرت جيدا لوجدت أن «اليوم التالي» لانتهاء حرب ارييل شارون - أو أي رئيس حكومة اسرائيلي مقبل - ضد الشعب الفلسطيني وقضيته (قضية العرب الأولى كما كانت توصف، لمن يتذكر)!! لن يكون أقل خطرا من «اليوم التالي» العراقي لا على المنطقة وشعوبها ولا على أنظمة الحكم فيها تحديدا. فلقد كان «اليوم التالي» لانشاء اسرائيل في العام 1948 هو العاصفة التي اجتاحت الأمة ولا تزال تلعق جراحها للآن نتيجة لها ولا يتم حاليا على أرض فلسطين الا دق المسمار الأخير في نعش الضحية، بل الضحايا، على طريق تأبيد «الأمة المنكوبة» وطي صفحة فلسطين نهائيا والى الأبد.. فلا تبقى منها في الجسد المنكوب سوى أوبئة سارية تنتقل سريعا من عضو الى عضو. ما بعد غزو العراق سيكون خطيرا ولا شك، اذ ستكون أرض العرب كلها مهددة بأن تصبح «عراقا» من طراز ما، لكن أرض العرب كلها تعيش منذ سنوات كابوس التحول مع الزمن الى «فلسطين» أخرى، ليس الى منطقة احتلال بل الى مجرد فقرة في كتاب تاريخ. هل يصعب ادراك ذلك على الحاكمين بعيدافي نتف ممزقة من الأرض العربية، والخائفين فقط مما بعد احتلال العراق ؟! ثالثا: لم يتأخر حاكم عربي، أو مسئول في حاشيته، طيلة أكثر من عام كامل، منذ الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، عن المشاركة الجادة في سباق الماراثون الأميركي، ومنافسة زملائه في الهرولة الجادة لتبرئة النفس أولا، ثم تبرئة النظام وحتى الشعب كله ثانيا، من تهمة «العداء لأميركا»، وقبلها ومعها من تهمة «الارهاب» برغم كل ما يحيط بالتهمة من خلط متعمد بين العنف عندما يكون مشروعا في مقاومة الأحتلال والظلم وبينه عندما لا يكون كذلك. في معظم الحالات كان اشتراك هؤلاء بناء لطلب من منظم الماراثون، فوضعت لهم شروط ومواصفات اللاعبين المحترفين، لكنهم في حالات أخرى ليست قليلة كانوا متبرعين من تلقاء أنفسهم فأدخلوا في قائمة الهواة وأية نظرة الى طريقة التعامل الأميركي مع مجريات السباق في الشهور الماضية كفيلة بأن تكشف الحقيقة المجردة لما هو مطلوب من البعض وما هو ممنوح بطلب من البعض الآخر وما هو متبرع به من دون سؤال من غير هؤلاء واؤلئك. الآن يقال علنا في الولايات المتحدة أن رسائل أميركية وجهت الى الدول العربية لمعرفة مدى ونوعية مساهمتها في الحرب المقبلة على العراق، وأن البعض أجاب على الرسائل بينما يحاول البعض الآخر تمديد المهلة - الانذار (شهر من تاريخ توجيه الرسائل) لعل تطورات مهمة المفتشين الدوليين في العراق تنقذه من مأزق القبول الذي لا يجد مفرا منه بل يقال أكثر، أن ما يردده اعلام تلك الدول عن نفي وجود رسائل أو نفي الرد عليها أو حتى نفي طلب تمديد المهلة ليس صحيحا، وأن ما يصرح به بعض العرب في العلن هو للاستهلاك المحلي الذي تفهمه واشنطن ولا تعترض عليه. الأمر ذاته ينطبق على الموقف العربي، المعلن منه والضمني، من «خريطة الطريق» التي رسمت تضاريسها بين ليلة وضحاها للقضية الفلسطينية كان معروفا للقاصي والداني ان الخريطة في أساسها هي للعراق وللمنطقة في ما بعد، وأن وضع اسم فلسطين - بغض النظر عن المضمون - عليها ليس الا على طريقة تخبئة المخبوء، الا ان الغالبية بما فيها القيادة الفلسطينية ذاتها انضمت الى القافلة برغم تعدد أشكال ذلك الأنضمام بين القبول المتحفظ عربيا والتحفظ المقبول أميركيا. مريب جدا هو وضع العرب في هذه المرحلة البالغة الحرج بالنسبة لمستقبل الأمة والمنطقة كلها. مريب فعلا، الى الدرجة التي تحدث عنها الشاعر العربي بكل أمانة عندما وصف حال مرتكب فعل السرقة بين غيره من الناس قائلا: يكاد المريب يقول خذوني. ـ كاتب لبناني