الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 بعد الفوز المتوقع لمرشح التيار الليبرالي في صفوف حزب العمل بدأت مرحلة جديدة من الحديث الإعلامي والتعويل والارتهان عند بعض الرسميات العربية على التصريحات السلامية التي أطلقها عمرام ميتسناع، وخصوصاً تأكيده على الانسحاب من معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، واقراره بضرورة قيام دولة فلسطينية. ومع أن التصريحات المشار إليها تحمل قدراً من الإيجابية إلا أنها تبقى معلقة في الهواء، وتدخل في باب التجاذبات السياسية داخل حزب العمل أولاً والخارطة الحزبية الإسرائيلية ثانيا، وبالتالي فان اللهفة العجولة عند بعض الفلسطينيين وبعض الرسميات العربية يفترض أن يسبقها شيء من التدقيق والتحليل لما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي والعوامل التي تفعل فعلها في هذا المضمار. فقد كرست نتائج انتخابات المركز التمهيدية لرئاسة حزب العمل، وصعود الجنرال المتقاعد عمرام متسناع وجود التيارات الثلاثة الرئيسية في الحزب. تيار الوسط الليبرالي الواسع نسبياً، والذي أبدى بشخص زعيمه استعداده للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني دون شروط مسبقة، وهو تيار أوروبي (يهودي غربي اشكنازي) يحمل تاريخاً عريقاً في السياسة البراغماتية وحضوراً وتأثيراً في مختلف الأوساط الدولية، والتيار الثاني الذي يعبر عن اتجاه التجنح نحو التقاطع مع سياسات اليمين والمشاركة بها، فضلاً عن تيار يساري صهيوني متواضع التأثير والحضور بقيادة يوسي بيلين وحاييم رامون. وأكدت حصيلة نتائج انتخابات المركز لحزب العمل وصعود عمرام ميتسناع بأن الحزب المصبوغ بصبغة اليسار الصهيوني العمالي الحزب البراغماتي العريق في ممارساته اللعبة التكتيكية، والذي يضم بين أجنحته صقوراً لا يختلفون عن صقور الليكود واليمين القومي العلماني، يقف متصدراً الرأي المنادي بـ دولة فلسطينية كيان تحت الوصاية الإسرائيلية الأبدية، مستنداً إلى استحالة تهجير الشعب الفلسطيني الذي بقي على أرض فلسطين ـ فالاقتلاع أصبح خلف التاريخ. كما يستند إلى التطور الحاصل داخل الحزب ذاته ووصول قمة هرمه والقاعدة الحزبية التي تضم قرابة خمسة عشر ألف فلسطيني من أبناء فلسطين 1948 إلى نتيجة محققة فحواها بأن الدولة الفلسطينية شر لا بد منه، ويزيد على هذا شمعون بيريز أحد الأقطاب التاريخيين في الحزب وثعلب السياسة الإسرائيلية الصهيونية معتبراً بأن الديمغرافيا تفعل فعلها، وأنه أي بيريز لا يريد دولة إسرائيلية على أرض كل فلسطين التاريخية ستقود إلى وضع تتحول فيه إلى دولة مختلطة ثنائية القومية ذات أغلبية عربية. وإذا أردنا أن نتفحص أكثر مواقف حزب العمل الذي يعتبر الحزب المؤسس للدولة العبرية، نلحظ وجود أقلية مؤثرة نسبياً تضم في صفوفها بعض رموز وأنتلجنسيا الحزب، تتبنى قيام (دولة فلسطينية مستقلة + تفكيك أغلبية المستوطنات) ويتصدر هذه الأقلية الوزيران السابقان يوسي بيلين وحاييم رامون، فضلاً عن الوزير السابق شلومو بن عامي صاحب المسحة السلامية داخل حزب العمل والنائبين العربيين في الكنيست عن الحزب ذاته نواف مصالحة وصالح طريف. وهذه الدولة وفق مواصفات طيف حزب العمل واليسار الصهيوني العمالي هي: (دولة فلسطينية على مساحات من قطاع غزة والضفة الغربية، مع اقتطاع أجزاء منها وتفكيك بعض المستوطنات الصغيرة + ضم شريط بعرض 20 كيلومتر على طول خط غور الأردن) بحيث لا تتجاوز مساحتها بأحسن الأحوال 80 بالمائة من مساحة الضفة الفلسطينية بعد شطب مساحة القدس الكبرى التي تتجاوز مساحتها ربع مساحة الأرض المحتلة عام 1967 في الضفة، واعادة أغلبية قطاع غزة. فالدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها الآن عمرام ميتسناع، وصف عريض من تحالف العمل وباقي المعارضة اليهودية الصهيونية يتداخل فيها كل شيء : أراضي الكيان الفلسطيني مع بقايا المستوطنات ومناطق الضم، مع الطرق الالتفافية، مع أجزاء من القدس الكبرى، وتتداخل فيها حدود السيادة والصلاحيات، وذات حدود أطول من حدود الدولة العبرية مع كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان، وأينما ذهبت تجد لها حدوداً مع دولة الاحتلال لغرض رئيسي يتمثل في تطويقها بالكامل وابقاء السيطرة العسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية والتجارية.. إنها أشبه بالكيان الذي قصده اسحق رابين والذي يكاد يتطابق من حيث الجوهر مع مشروع الجنرال إيغال آلون الذي طرحه عام 1968، أي بعد فترة قصيرة من احتلال الضفة والقدس والقطاع، منقوصاً منه في اللحظة الراهنة الجانب المتعلق بالتقاسم الوظيفي بين الكيان الفلسطيني المفترض والأردن. إن المسألة للغالبية العظمى من الإسرائيليين ليست معرفة ما إذا كان سيتم قيام دولة فلسطينية أم لا، لكن متى وكيف وضمن أي حدود وبأي صلاحيات وسلطات، وهذه الأمور لم يتم تسويتها بعد ولم تنضج نقاشاتها داخل التجمع اليهودي على أرض فلسطين 1948. وفي هذا السياق فان استمرار الانتفاضة وتواصلها يشكل عاملاً مهماً في إحداث التفاعلات داخل الوسط اليهودي في الدولة العبرية بما في ذلك تقديم الإجابة الإسرائيلية تجاه استحقاقات تسوية وسلام الشرعية الدولية. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق