الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 يتجاذب الإسلام السياسي اليوم في الغالب ثلاثة أشكال من التطبيقات السياسية، الممارسة الإيرانية، والتركية، والعربية، ولان الدعوة في الإطار العربي لم تتطور بما يخاطب العقل ويساير الزمن، أفرزت أفكار التطرف التي هي عند فولتير مرض الكاثوليكية. وبسبب فقدان المنهج الحديث والوضوح في الوسائل والأهداف، أخذت الخلافات والانشقاقات والصراعات تستنزف جل طاقة الأمة، وتفرش طريقا لا يمكن تجاهله من الصراع الذي لا توجد في أدبيات أو ممارسات الحركة أية آلية لحل المختلف عليه حلا حضاريا وسلميا، بل تتعدد الاجتهادات لحد التناقض الذي يقود الى دعاوى التكفير والمفاصلة والخروج عن الملة وإباحة المحرمات، أي تحويل الاختلاف في المنهج الى خلاف في العقيدة. ويعتقد كثير من المتابعين، أن التفسير السياسي للإسلام الممارس في الشرق الأوسط اليوم قد نبع تاريخيا من عباءة الأخوان المسلمين المصريين بالذات والعرب بعد ذلك، فالمصادر الموثقة تقول لنا إن الحركة الإيرانية السياسية الدينية وهي في مهدها وجذورها الأولى في مدن المراقد المقدسة في العراق اتخذت من تجربة الإخوان المسلمين في مصر قدوة لها في جمع الديني بالسياسي، وقد وثق هذا الأمر الأستاذ أمير طاهري في كتابه حول أصول الثورة الإيرانية. أما الحركة الإسلامية السياسية التركية، فقد كان لها منبت صوفي كامن، حتى تأثرت نتيجة التطورات في الشرق الأوسط، وخاصة الثورة الإيرانية، بحركة الاحياء الديني، وقد شهدت أوائل السبعينيات أول ظهور علني للعمل الإسلامي السياسي بقيادة نجم الدين أربكان خريج الأزهر ومؤسس حزب النظام الوطني ثم حزب السلام الوطني والذي شارك في ثلاث حكومات إحداها برئاسة بولنت أجاويد اليساري ومرتين مع سليمان ديميريل اليميني، كما يخبرنا محمد نور الدين في كتابه حول الحركة الإسلامية التركية المسمي (حجاب وحراب) وبرز في حزب الفضيلة الذي أنشئ بعد حظر حزب الرفاه تياران: أحدهما تقليدي بقيادة رجائي قوطان، والآخر تجديدي بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول، الذي وصل الى الحكم في تركيا مؤخرا تحت اسم حزبي جديد هو العدالة والتنمية، ويصفه أصحابه انه حزب حديث وعلماني، يقول رئيسه (إنني لست أصوليا متطرفا وإنما أنا مسلم مثل بقية المسلمين في تركيا ومؤمن بتراث الشعب التركي وهويته التاريخية، ولذلك فإننا نحترم طراز حياة كل شخص في بلادنا وأسلوب معيشته) ليس أكثر من ذلك وضوحا في التزاوج مع الحديث. باب الاجتهاد في كلتا التجربتين الإيرانية والتركية انقسم الإسلام السياسي الى (محافظين) و (مجددين)، وتلونت التجربة بالبيئة المحيطة. في تركيا أصبح الأمر واضحا، فرغم وجود تيارات محافظة وربما تقليدية وأصولية، إلا أن التيار القابض على السلطة اليوم والمقبول من الجمهور هو حزب العدالة والتنمية وهو (إسلامي ديمقراطي) أن صح التعبير، يستظل بمظلة الإسلام، ويمارس العمل السياسي البرجماتي، فهو يسعى الى إدخال تركيا الى السوق الأوروبية المشتركة، وهذه لها شروط واضحة في احترام الحريات منها حرية النشر وحقوق الإنسان والتعددية السياسية وسيادة قوى السوق، وأيضا حرية الاعتقاد، ويعزز أيضا علاقات تركيا التاريخية بإسرائيل، كون الأخيرة مدخل من مداخل الغرب السالكة، ويسوي مشكلة قبرص بما يفرضه الجوار الأوروبي، الى آخر الخطوات التي تجعل من الحزب، حزبا حديثا ومسايرا للواقع الموضوعي الدولي غير متناقض معه. في إيران يحتدم النقاش الذي تطور في السنوات الماضية الى مرحلة متقدمة، حول دور الدين في الدولة، ولعل قضية هاشم اغاجاري المحتدمة اليوم بين الفرقاء، هي خير دليل على هذا الصراع بين المحافظين وبين المجددين، وكلا الطرفين يتسلح بمقولات رجال الدين، بل أن رجال دين معممين تجدهم في طرفي المعادلة السائدة في إيران اليوم، مساهمين بشكل نشط في الحوار الدائر على مستقبل الحكم، هل يظل كما هو تحت سيطرة رجال دين أصبح لهم نفوذ ومصالح في الوضع القائم، أم يقدم التفسير الآخر الذي هو قريب الى المؤسسات الشعبية التي تصل الى السلطة من خلال صناديق الانتخاب وتقرر هي، لا غيرها من الوسائل، كيف تُسير البلاد وتحقق مصالح العباد. في الوضع العربي لا يوجد حكم غير ما هو في السودان يقول بمقولات (الإسلام السياسي) كما تبلور في الربع الأخير من القرن العشرين، والحركة الإسلامية السياسية في السودان ليست بعيدة عن عباءة الأخوان المسلمين، وان تمثلت بالتراث السوداني، وأصابها الانشقاق والفرقة، بسبب ما تعانيه السودان من مشكلات خاصة بها،وهي لا تزال في مرحلة التجربة والخطأ. جوهر الأمر أن الحركة السياسية الإسلامية العربية في عصرنا والتي نبعت تاريخيا من خلال الأخوان المسلمين تواجه اليوم أسئلة كبرى، لعل حديث الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي قد فتح باب الحوار حولها وقد وجب الاجتهاد، إلا أن الاجتهاد ليس مجرد نشاط عقلي مغلق داخل فضاء النص الديني، بل هو بحث عن معنى ديني جديد لملابسات واقع جديد، أي بقدر ما يسعى المجتهد إلى اكتشاف أحكام الواقع من قلب الحقيقة الدينية، فإنه بذات الرتبة يسعى إلى اكتشاف الحقيقة الدينية بآليات ذلك الواقع الذي يعيش هواجسه وأمانيه. فالاجتهاد بدأ في كل من تركيا وإيران والنجاحات فيه نسبية، ولكنه تشكل مواكبا لظروف البلدين وتجربتهما التاريخية. مواكبة الواقع أما الحركة الأم في الإسلام السياسي العربي فإنها مازالت حبيسة مفاهيم غارقة في الماضي، ربما بسبب ذاتي وربما بسبب موضوعي، إلا أن الأمر لا يخلو من ملاحظة القصور الفكري العميق في مواكبة المتغيرات المتسارعة. فحركة الإسلام السياسي العربية اليوم التي يقف على رأسها الأخوان المسلمون تعاني من مجموعة من المشكلات التاريخية، لا ينفع فيها بعض التصريحات التي ظهرت ردا على تصريح الأمير نايف هنا وهناك، وهي تصريحات اقرب ما تكون الى العودة للشعارات وبعيدة عن التفسير والإقناع المنطقي، فالحركة الأم وهي تستقبل سادس المرشدين وتتعاطى مع القرن الواحد والعشرين، تجد نفسها تواجه مشكلات ذات مستويات عديدة، منها هل هي حركة (فوق وطنية) بمعنى أنها عابرة للأوطان، أي أنها تتجاوز المكان الجغرافي، أكان مصر أو الأردن أو سوريا أو الكويت على سبيل المثال، أم هي حركة دولية. في وفاة المرشد الخامس وتنصيب السادس نجد أن المتحدث باسم الحركة لا يستطيع أن يجيب على تساؤل تلفزيوني متعلق بهذا الأمر، حول دور التنظيم الدولي في اختيار المرشد الجديد؟ لقد رد الناطق بقوله أن هذا السؤال هو استجواب بوليسي وليس سؤلا صحفيا؟ هنا يبرز موضوع السرية، التي هي شيمة الحركات المتخفية غير الظاهرة، في مقابل العلنية الواضحة المتوقعة من الأحزاب الحديثة، وماذا إذا تناقضت أفكار الحركة العامة وأهدافها مع مصالح منتسبيها في وطن بعينه، كما حدث في الكويت إبان الاحتلال العراقي، وهل يفيد في مثل هذا الحالات إطلاق الفتاوى المبيحة للتصرف الإقليمي بعيدا وربما متناقضا مع الأهداف المقررة للحركة؟ كالقول بفقه الذرائع وما حول ذلك من ضبابية؟ من مظاهر تلك المراوحة في المكان ما نجده على موقع الأخوان المسلمين على الانترنت حيث بدا بالعبارة الآتية: (نتقدم بدعوتنا نحن الإخوان المسلمون ...هادئة ...لكنها أقوى من الزوابع العاصفة ...متواضعة ... لكنها أعز من الشمم الرواسي ... محدودة ...لكنها أوسع من حدود هذه الأقطار الأرضية جميعاً..) بمثل هذه العبارات الحماسية والضبابية وغير ذات مدلول، التي تتصدر الموقع، فإنها لا تقدم شيئاً جديدا أو تغرى المتابع لفهم المعروض ،لأنه يخلوا من فكر يتطلبه المواطن اليوم، فكرا يقدم تصورات لحلول المشكلات الحديثة التي تواجه المواطن، فالأدبيات المتاحة من حركة الأخوان في اغلبها تعرف ما لا تريده الجماعة، إلا أن تعريف ما تريده لا يخرج عن العبارات العامة والجمل السجعية، فأين حقوق الإنسان وأين البرنامج السياسي المستقبلي، وأي مفهوم الديمقراطية الحديثة، وغيرها من ما يناقش اليوم. في الوقت الذي يحتدم النقاش في المؤسسات الدينية السياسية الحاكمة في كل من تركيا وإيران، نجد أن حركة الأخوان تحارب الماضي بقيادة هرمة من جيل الماضي نفسه، وتفرض على جيلها الجديد السمع والطاعة العمياء، وتغوص في نقاش حول نوع الملابس وطول اللحى، وينفر من كل ذلك الجيل الجديد باتجاهين، الأول أن ينعزل عن العمل العام مما يراه، والآخر ينفر الى الشدة والغلظة والتعصب، فيقع فريسة سهلة لجماعات الإرهاب. ـ كاتب كويتي