الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 لماذا الاصرار على تقديم شخصيات تاريخية محددة مرات ومرات؟ أليس في تاريخنا القديم شخصيات اخرى لعبت ادواراً سياسية او ثقافية او علمية وكان وجودها سبباً في نمو المجتمع الاسلامي، حيث اضافت اليه الكثير، وحققت سبقاً فريداً في شتى الميادين التي استوعبت تلك الطاقات الخلاقة وفسحت لها المجال لتضاعف رصيد هذه الامة من الاعمال الخالدة. والشيء الذي تميزت به الحضارة الاسلامية ان تلك الشخصيات الناجحة رافقتها زمر متتابعة من المؤرخين العظام الذين اثروا صحبة تلك النماذج الفريدة، وتدوين سيرهم، ونقل اقوالهم، واثبات آرائهم ومواقفهم من أحداث الحياة من حولهم والتي اكدت التزامهم بما يدعون اليه الناس، وسبقهم في تمثل الافكار التي اقتنعوا بها، وبذلهم للوقت، وافراغهم للجهد من اجل انجاح اهدافهم في خدمة العلم والثقافة والشواهد والآثار التي دونت في عشرات الآلاف من الاوراق التي اصبحت وعاءً لذلك المخزون الفريد من التجارب الانسانية الغنية بالمواقف المسئولة، والتي تؤكد شموخ الشخصية الاسلامية وحيويتها، وتفاعلها مع قضايا المجتمع، وجدارتها بأن تكون حاضرة في اذهان الاجيال التي تلتها، لتكون اسوة ومثلا على الالتزام والامانة واحترام الذات. ومازالت كتب التراجم قادرة على ان تمد الباحث الجاد، والكاتب الذي لديه شعور عال بالانتماء إلى ذلك الزمن المتدفق، ولديه الرغبة في انجاز مهنة اعادة تقديم القدوات والرموز التي اثرت في مسيرة المجتمع الاسلامي في الاجيال الجديدة التي اقتصرت ثقافتها على الهامبورغر والشيبس والزجاجات الغازية والتي لا تشعر بالانتماء إلى ثقافة امتها لانها جاهلة بمفردات تلك الثقافة، ومغيب عنها ذلك التراث الفريد القادر على ان يعيد شيئا من التوازن إلى اجيال الالفية الثالثة فيما لو كان هناك مشروع وقائي يعتمد على الحضور الطاغي للرموز العلمية والفكرية لدى الفئات المتواصلة مع تاريخها وتراثها ويتولى مهمة التعريف بهم إلى الاجيال الجديدة لكي تساهم تلك الترجمة التي نطالب بان تقدم في قالب درامي يجسد بالصورة والكلمة ابرز المواقف الايجابية التي برع في تقديمها رموز المجتمع الاسلامي في العصور السابقة في تحقيق قدر من التوازن النفسي والفكري والعاطفي للاجيال الجديدة. ويأتي كتاب (سير اعلام النبلاء) الذي الفه الامام شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي كأحد الامثلة الشاهدة على مدى الحفاوة التي حظي بها علم نقد الرجال في تاريخ المجتمع الاسلامي، وعلى ان التأريخ لسير الاعلام في الحضارة الاسلامية كان علماً قائماً بذاته، ولم يكن تابعاً لعلم من العلوم، وان نشأ في باديء الامر بقصد الوقوف على امانة راوي الحديث في النقل والحفظ الا انه اصبح بعد ذلك علما مستقلا بذاته، واصبح هدفا يسعى لتحقيقه اولئك الذين آمنوا بالادوار النوعية التي قام بها افراد هذه المجتمعات في خدمة الحضارة والانسان. وكتاب سير اعلام النبلاء ترجم للآلاف من الشخصيات القادرة على أن تؤثر في اجيال اليوم كما اثرت في الماضي فيما لو اعيد تقديمها بقالب عصري توفر له ادوات النجاح المطلوبة من النص الجيد، والحوار السلس البعيد عن التكلف والتصنع الذي غدا الاسلوب السائد في اغلب المسلسلات التاريخية. فانت ترى اللغة العربية التي ينطق بها الممثلون غاية في التكلف خاصة فيما يختص بالاداء الحركي والانفعالي المصاحب للكلمة المنطوقة، وهذا ـ في اعتقادي الخاص ـ هو احد الاسباب الكبرى لعزوف الشباب من الجنسين عن متابعة المسلسلات التاريخية، فالاحتقان في الاداء، والمبالغة في اظهار المشاعر والتصنع في الحركات والايماءات، والاشارات المصاحبة لها تكاد تكون في معظمها جرعات اضافية زائدة لا علاقة لها بالحدث الذي تزعم تجسيده امام الجمهور. بل ان من آثار الجنوح إلى التكلف والمبالغة في اداء الممثلين للمسلسلات التاريخية ان المشاهد البسيط انطبعت في مخيلته صورة غريبة عن واقع المجتمعات في تلك القرون، وفهم نتيجة للاداء المفتعل الذي رآه على الشاشة ان العنف كان هو الخيار المفضل لاغلب الشخصيات التي اثرت في التاريخ الاسلامي مما افرز حالة من الشعور بالغربة وعدم القدرة على التواصل مع تلك القرون الخالدة. الامر الذي يعد احد الاخطاء الكبرى التي تسببت بها المسلسلات التاريخية، إلى جانب اخطاء اخرى سنحدثكم عنها في الغد بإذن الله.