الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 المؤكد اننا نحن أمة العرب نحتاج لثورة اصلاحات شاملة في كافة مناحي حياتنا. لكن المؤكد أكثر ان هذه الاصلاحات ليست تلك التي تطالبنا بها الولايات المتحدة والغرب واسرائيل، فأي اصلاح حقيقي في أي بلد عربي أو اسلامي يتناقض بالضرورة مع الأطماع والأهداف الاميركية الصهيونية. من بين الاصلاحات التي تحتاجها أمتنا هي تجديد الفكر الديني، وهو مطلب يجمع عليه كافة المنادين بالاصلاح منذ مئات السنين، مؤكدين انه طالما ان سلطان الدين يؤثر بطريقة فعالة على سائر المسلمين، فإنه كلما تجدد هذا الفكر واقترب من هموم الناس ومشاكلهم، كلما أمكن تخطي عقبة التخلف التي نعاني منها. ولأنني لست متخصصاً فإن ما أطرحه اليوم هو نقطة بسيطة للغاية في هذا المجال، وهي الدعاة المسلمون، إذا صلح هؤلاء وعبروا بصدق عن مقاصد الشريعة التي لا يمكن ان تتصادم مع مصالح الناس، انصلح جزء كبير من مشاكلنا، لكن المشكلة التي أعتقد اننا كمسلمين نعاني منها منذ أمد طويل تتمحور حول نقطة جوهرية، خاصة في المذهب السني، هذه المشكلة ان جزءاً كبيراً من علمائنا الأجلاء تقتصر معارفهم على العلوم الدينية فقط، وبالتالي عندما يرتقون في مناصبهم الوظيفية، ويصدف ان يتحدثوا أو يفتوا في أمور الحياة والسياسة تكون الطامة الكبرى. هل السبب في ذلك هو منهج التعليم الديني، أم هي الثقافة السائدة داخل المجتمع؟ أم هي بذرة وضعت منذ الخلاف بين علي ومعاوية كي تفصل ما بين الدين والسياسة، وكبرت هذه البذرة وحولت جزءاً كبيراً من الدعاة الى مجرد مفسرين للدين من ناحية تعبدية فقط دون ربطه بمجمل حياة الانسان وتطوره وكيفية ممارسته للحياة؟ والأمثلة على هذه الظاهرة لا تعد ولا تحصى للدرجة التي تجعلنا نقول ان قلة قليلة من العلماء هم الذين جمعوا ما بين علوم الدين وعلوم الدنيا، بل والأهم من كل ذلك قالوا كلمة «لا» أمام سلطان جائر وضحّوا بحياتهم من أجل مصالح عامة الأمة، هؤلاء القلة يمكن ان تذكّر بعضهم مثل الإمام أحمد بن حنبل الذي نكل به أيام الخليفة المأمون، والعز بن عبدالسلام الذي طالب الملك الصالح نجم الدين أيوب ببيع وزرائه وقادة جيشه المماليك في سوق العبيد لأنهم أموال عامة، فلما رفض الملك خرج العز من العاصمة فخرج الناس معه تاركين الحاكم ومماليكه فخوت العاصمة حتى اضطر الملك للاستجابة لمطلبه. وفي العصر الحديث يندر ان نجد أمثلة لهؤلاء باستثناء شخصيات مثل عبدالحميد بن باديس في الجزائر وعمر المختار في ليبيا وعبدالكريم الخطابي في المغرب وعمر مكرم في مصر.. تجربة هؤلاء العلماء الرواد تؤكد انهم كانوا النخبة الحقيقية للأمة، إذا صلحوا صلحت الأمة، والعكس صحيح. الآن ربما لدينا مئات أو آلاف من علماء الدين الأجلاء الأتقياء، لكن مشكلة هؤلاء، البسيطة والمعقدة في الوقت نفسه، ان غالبيتهم اما انهم ارتضوا أن يكونوا مجرد موظفين ينتظرون المرتب آخر الشهر، أو يؤثرون السلامة ويبتعدون عمّا يغضب كل صاحب سلطة، أو تكون ثقافتهم قاصرة فقط على الجانب الديني دون التمتع بالرؤية الكاملة والشاملة لأمور مجتمعاتهم. وهناك مثال بارز على ما أقصده وهو أحد العلماء الذي بلغ شأناً كبيراً في علوم الدين وتفسيراته اللغوية وحاز على اعجاب وتقدير الجميع، لكن في أول اقتراب له من السلطة وصف الحاكم بقوله: «هو لا يُسأل وهم يُسألون»!! وفرح في هزيمة بلده أمام عدوها التاريخي لمجرد انه لا يحب الحاكم المحبوب من شعبه. خلاصة القول ان الكلمات السابقة ليست دعوة لأن يتحول كل الدعاة الى علماء في السياسة أو أعضاء في حركة معارضة سياسية، بل فقط أن يؤمنوا بأن «الدين المعاملة» ويطبقوا ذلك، وان الدين في جوهره نزل لخدمة عموم الناس، وان الفتاوى الدينية لا تتغير بتغير مزاج الحكومات وأولوياتها السياسية.