الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 لست أدري من ذلك القائل بأن «الشعر ديوان العرب» ولكنني أدري ـ وأنت لاشك تدري ـ كيف كان أبو الطيب المتنبي يعتز بشعره كل اعتزاز ـ كيف لا وهو القائل: وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا وهو أيضا القائل: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم وربما تابعه سميْه «أحمد» ـ وهو أمير شعراء زماننا المعاصر.. وفي مضمار هذا الاعتزار بالشعر يقول شوقي مخاطبا أميرة مصر في زمانه وكان لقبها «أم المحسنين»: لا ترومي غير شعري موكبا إن شعري درجات الخالدين وكم ظل القوم يحسدون الشعراء على موهبتهم حتى ليقول قائلهم «أنتم الناس.. أيها الشعراء ».. وحتى ليصف عباس العقاد روح الشعر بأنه نغم من أنوار الرحمن مقتبس. مع هذا كله لا نكاد نذكر الشعر أو الشعراء الا ونذكر المثل الذي اذاعه المصريون حين قالوا: كسبنا صلاة النبي «بمعنى أنهم كسبوا ذيوع الصيت وحسن الأحدوثة وربما بعض الكلام المنمق والذكر الجميل.. و.. خلاص! وبمعنى أن الشاعر يسهر الليالي المسهرات ويمضي الساعات الطوال يطارد القوافي ويقتنص الأخيلة ويشيد معمار القريض بيتاً من بعد بيت وربما لا يجد الشاعر من بعد بيتا يأوي إليه ولا معاشاً يعول عليه.. أو زاداً يقتات منه أو فضل مال يقيه سؤال الآخرين. طبعا قد تذكر لي أن الشاعر امرأ القيس كان من أسرة ذات مجد وصولجان أو أن الشاعر ابن المعتز كان خليفة عباسياً أو أن أحمد شوقي كان ينعم في رغد القصر الخديوي في مصر المحروسة.. ولكن كم من شعراء عانوا شظف المعيشة وضاقت بهم مسالك الحياة.. كان الحطيئة مثلا شاعرا خطيرا رغم قسوة لسانه، وحين حبسه الخليفة الراشد عمر كاد أبناء الحطيئة يتضورون جوعا ولم يفرج عنه الخليفة الا بعد أن عرضوا عليه رقعة كتب فيها الحطيئة أبياتاً يخاطبه فيها: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة فاصفح جزاك الله يا عمر ألا ترى أن ابن الرومي وهو الشاعر العبقري بلغ به الحال أن يتكفف الناس، ومن قصائده ما كان يستعطي فيه كسوة صيف أو دثار شتاء ؟ طبعا هذا ناهيك عن المصري عبد الحميد الديب الذي حمل ـ ولا فخر ـ لقب شاعر البؤس، والعراقي بدر شاكر السياب الذي غابت شمس عبقريته على فراش خشن بسيط في أحد مستشفيات الخليج ؟ ولا كان الدهر أرفق على أهل الرغد والدعة من شعراء العربية: امرؤ القيس قتل في الغربة، وابن المعتز كان خليفة ليوم واحد وقتل بعدها، وأحمد شوقي ذاق طعم المنفى الأسباني نحوا من ثلاث سنوات بعد الحرب العظمى الأولى. وكم حفل كتاب «الفلاكة والمفلوكون» بحكايات عن بؤس الشعراء وقسوة الحياة عليهم وهم الكائنات الحساسة الرقيقة لدرجة أن تعود معها شهاب الدين الدلجي مؤلف الكتاب المذكور أن يكتب قائلا عن هذا الشاعر أو ذاك في هذه الحقبة أو تلك ما معناه : وكان رحمه الله بديع النظم ، حسن السبك مشرق الديباجه ، ولكنه كان مملق الحال ، بائس المعيشة، ما يراه الناس زري الهيئة ، كاسف البال.. فارغ اليدين خاوي الوفاض.. الخ . وباستثناء البعض من شعراء الدنيا ممن تبسم في وجوههم ثغر الحياة فكان أن ذاقوا نعمة اليسر وبلهنية العيش الطيب فإن جمهرة الشعراء في أقطار العالم يعرفون مقدما أنهم يكتبون لوجه الله والكلمة، وعرائس القريض حيث الشعر يتيم في دنيا الحاسوب المعاصرة. في عالم الصحافة تغلب مقالات السياسة وتحليلات الاقتصاد.. وفي ساحة الميديا تغلب المسلسلات والكوميديات وعروض الأزياء.. دع عنك ـ بعد اذنك ـ تحقيقات الإشادة بعبقرية الحكام ولوذعية المتنفذين وحتى في عالم الأدب والفن والإبداع.. يرتضى الشعر بأنه يشغل زاوية في الظل.. تنشر القصيدة على صفحة أو بضع صفحة فيما تنشر الرواية مسلسلة على عشرات الحلقات ( هل قرأت يوما قصيدة مسلسلة ؟ ) وعلى شاشة التلفاز يمكن أن تصغي دقائق إلى شاعر مجيد يتلو أبياتا تشع جمالا وتفيض سحرا.. وهي دقائق لا تلبث أن تنقضي لتفسح المكان إلى الدراما التمثيلية التي ينفقون على إنتاجها عشرات الملايين ولها سوق لا تكسد وقلما تبور. مع هذا كله.. فها نحن نشهد في الأيام الأخيرة بادرة إنصاف للشعر والشعراء. أصل الحكاية هي مجلة «الشعر» التي تصدرها شهريا رابطة الشعر الحديث في الولايات المتحدة.. وهي من أقدم وأعرق المجلات الأميركية وتعد أربى عمرها على 90 سنة منذ إنشائها عام 1912. وقد أتت عليها أحيان من الدهر شهدت فيها ازدهارا قلمياً ومادياً حين كانت تنشر خلال النصف الأول من القرن العشرين أشعار عزرا باوند وت أس اليوت وديلان توماس وروبرت فروست وجون أشبري ومن طاول قاماتهم من أعلام شعر الإنجليزية المعاصر فضلا عن أحيان أخرى كانت تصدر فيها بشق الأنفس لدرجة أن تنحط ميزانيتها ـ الشحيحة أصلا ـ لتصل إلى مئة دولار فقط لا غير، ولدرجة أن رئيس تحريرها جوزيف باريسني يضع يده على قلبه خوفا على العدد الجديد وحرصا على مواصلة تقاليد المجلة العتيدة التي ما انقطع صدورها عددا واحدا ولا نزلت يوما عن المستوى الرفيع لما تنشره من جيد الشعر . هذا الالتزام بالنوعية والمستوى جعل مجلة «الشعر الأميركية ترفض طيلة عقد السبعينيات نشر القصائد التي كانت تبعث بها قارئة اسمها «روث ليللي» ظلت تكتب عشرات القصائد التي رأت المجلة أنها أقل من مستوى الإبداع المطلوب. ورغم أن السيدة «روث» كانت تشفع قصائدها بتبرعات للمجلة تصل إلى خانة عشرات الآلاف من الدولارات فلم تشأ المجلة أن تتزحزح عن موقفها في انتقاء عيون الإبداع الشعري بل كانت تكتفي ـ في رسائل بخط اليد ـ بشكر المتبرعة الكريمة مع رد رسائلها والاعتذار عن نشر قصائدها، لكن في أواخر نوفمبر خطت علاقة الطرفين المجلة والأديبة الهاوية إلى مستوى أبعد.. السيدة «روث ليللي» تكافح المرض الشديد وتشارف السابعة والثمانين من العمر. وتستعرض حافظة الثروة الطائلة التي كانت قد آلت إليها بوصفها وريثة جدها الأعلى السيد «ليللي» وهو من كبار مؤسسي صناعة المستحضرات الطبية في الولايات المتحدة. هنالك أزمعت «روث ليللي» أمرا.. وكان أن قدمت تبرعا لم يسبق له مثيل إلى مجلة «الشعر» الأميركية.. وبمبلغ مئة مليون دولار بالتمام والكمال (!) وفجرت بذلك حدثا مازالت أصداؤه تتردد في الأوساط الأدبية والفكرية بالولايات المتحدة ، وطبعا بين جدران مجلة «الشعر» التي تتخذ مقرها الأكثر من متواضع في موقع بسيط من إحدى مكتبات شيكاغو ولا يزيد عدد العاملين بها عن أربعة أفراد يتولون أمر التحرير والجمع والتنفيذ والتوضيب والتوصيل إلى منافذ البيع ( توزع المجلة في كل عدد 12 ألف نسخة وهو رقم شديد التواضع بمقاييس أميركا طبعا). مئة مليون دولار تضمن للمجلة الشعرية دخلا ممتازا على مدار السنوات العشرين المقبلة على نحو ما تقضي به وصية الست «روث ليللي» التي لم تحقد على رفض إنتاجها فأثبتت بهذه البادرة أن لها قلبا يخفق بالشعر وان لم تؤت موهبة إبداعه أو كتابته. هنالك أيضا فرك شعراء أميركا أيديهم جذلاً وأملاً.. لماذا؟ لأنهم يتوقعون أجورا أعلى ولو قليلا على الأبيات التي يذوبون فيها رحيق موهبتهم وتنشرها مجلة الشعر الفقيرة سابقا والمحظوظة لاحقا، وكيف لا يفعلون وقد دأبت المجلة على أن تعطي أجرا عن البيت الواحد من الشعر لا يزيد على دولارين .. ولما كانت القصيدة الإنجليزية ـ السوناتا ـ لا تزيد على 14 بيتا كما تقضي بذلك تقاليد الشعر الإنجليزي منذ أيام ويليام شكسبير ، فلك أن تتخيل مدى بؤس المسغبة التي يعيشها الشاعر حيث لا يتقاضى عن قصيدة يبدعها سوى 28 دولارا هذا إذا وجدت قصيدته طريقها للنشر في الأصل وفي الاساس.