الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 يقع تفجير ما في مكان ما في العالم وبينما تنتشر عناصر الشرطة والاجهزة الامنية تنقل وسائل الاعلام عن «مصدر امني» ان تنظيم «القاعدة» هو المسئول. تعتقل فرق الامن المحلية عدداً من الاسلاميين المشتبه بهم. يعقد وزير الداخلية أو مدير الشرطة مؤتمراً صحفيا يعلن فيه على العالم، أولا ان الحادثة من تدبير وتنفيذ «الجماعة الاسلامية» المحلية وان هذه الجماعة «على صلة بتنظيم القاعدة».. وثانيا «أننا قبضنا على العقل المدبر وراء الحادث». ومن ثم تبدأ «محاكمة» اعلامية للمشتبه بهم عبر تصريحات يومية لمسئولي الامن قد تستمر لشهور متصلة، ولكن المشتبه بهم لا يقدمون اطلاقا الى محكمة قضائية. وهكذا سوف تكون مجموعة «المشتبه بهم» الذين اعتقلوا في كينيا الاسبوع الماضي للاستجواب في حادثة تفجير مزدوجة موجهة الى هدفين اسرائيليين في مدينة ممباسا الساحلية، اضافة بشرية جديدة الى مجموعات وافراد آخرين مضت عليهم شهور وهم داخل زنازين مظلمة في انحاء مختلفة من العالم.. وتجرى محاكمتهم في وسائل الاعلام المحلية والعالمية.. ودون ان يتاح لهم المثول امام القضاء وبعد ذلك يسدل الستار على الامر كأن شيئاً لم يكن لكن المعتقلين لا يطلق سراحهم! وهناك قاسم مشترك آخر بين الحالات الموزعة في انحاء العالم يتمثل في الدخول الاميركي الامني على الخط بصورة فورية.. وربما دون استئذان او حتى اخطار مسبق للحكومة المعنية. حادثة ضرب فندق «برادايز» في ممباسا وما رافقها من اطلاق صواريخ على طائرة ركاب اسرائيلية تم في الصباح. وقبل ان تغيب شمس ذلك اليوم كان فريق من عناصر «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الاميركي قد قفز الى كينيا.. وعلى الفور تولى امر عمليات التحري والاستجواب «بالتعاون مع فريق مماثل من جهاز الموساد الاسرائيلي» بعد ان صار ضباط الامن الكينيون «ضيوف شرف». وفي بلدان اخرى لا تضطر عناصر الامن الاميركية الى تكبد وعثاء السفر. ففي اليمن والفلبين مثلا تقيم فرق في مكتب التحقيقات الاميركي بصورة دائمة في فنادق خمسة نجوم ومدعومة بمجموعات من «القوات الخاصة» الاميركية. ونستذكر ان حادثة التفجير الازدواجية في كينيا سبقتها حادثات من جنسها: احتراق ناقلة نفط فرنسية في ميناء عدن اليمني.. وتفجير ملهى ليلي في جزيرة بالي الاندونيسية وتفجير معبد يهودي في مدينة جربة التونسية وتفجير السفينة الحربية الاميركية «كول» في ميناء عدن ايضا. وفي كل هذه الحادثات لم يقدم احد الى القضاء بينما لم تتوقف «المحاكمات» الاعلامية. كم مرة سمعنا تصريحات من مسئول يمني ان التحقيق في حادثة تفجير السفينة الاميركية الحربية «كول» قد اكتمل وان المتهمين سوف يقدمون الى المحاكمة قريبا.. علما بأنه مضى على الحادثة حتى الآن اكثر من عامين. وكم مرة سمعنا مسئولا امنيا اندونيسيا ينقل الينا في تصريح اعلامي بشرى. القبض على «العقل المدبر» لحادثة «بالي» فبات لدينا عدة «عقول» مدبرة. وكم مرة سمعنا تأجيل محاكمة اولئك الافراد العرب الذين اعتقلتهم السلطات المغربية بتهمة تدبير مخطط لتفجير سفن حربية اميركية وبريطانية عند جبل طارق. واذا كان عرض حلقات مسلسل «بالي» لايزال مستمراً في وسائل الاعلام العالمية فإن هناك مسلسلات انقطع سياقها اعلاميا فلا تعرف مصير القصة وما اذا كانت الحلقة الاخيرة سوف تعرض. ومن اكبر هذه المسلسلات مسلسل «غوانتانامو» حيث لايزال نحو ستمئة من العرب والمسلمين محتجزين في ذلك المعسكر حتى الآن لعدة شهور «تحت الاشتباه». وأين ذلك الطيار السوداني الذي اعتقل داخل الاراضي الاميركية وقيل لنا انه «مشتبه به» في مخطط لتفجير البيت الابيض؟ وهل تذكرون ذلك المواطن الاميركي من اصل لاتيني خوسيه باديلا الذي اعتنق الاسلام واطلق على نفسه «عبدالله المهاجر»؟ لقد جرى اعتقاله فور وصوله احد المطارات الاميركية باشتباه انه يقوم بصنع «قنبلة قذرة» ومن ثم ظل وزير العدل الاميركي يحاكم هذا المواطن في وسائل الاعلام على نحو يومي لمدى اسابيع ثم توقف المسلسل فجأة. ان الحملة الاميركية العالمية ضد «الارهاب» لن تتوقف.. وبالتالي فإن الاعتقالات العشوائية لن تتوقف. وطالما استمر تغييب الاجراء القضائي فإن اعداد الابرياء سوف تتضاعف. ومن ثم سوف تتضاعف مشاعر الحقد ضد اميركا.