الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 تعمل الولايات المتحدة على نسف مجمل نظام العلاقات الدولية الذي أنشيء بعد الحرب العالمية الثانية فالأعراف والقوانين الدولية وضمانات السلام والأمن ليست من وجهة نظر أميركا سوى مجرد وهم هذا كله يوقظ في النفس أحداث 11سبتمبر الماضي هواجس ومخاوف من أن عملية الثأر من المنفذين للهجمات ليست أكثر من غطاء لأهداف ذات طابع استراتيجي أبعد وأكبر من توجيه ضربات محددة على أفغانستان. فالولايات المتحدة تستفيد من الأجواء المواتية لها في العالم لتحتل بقفزة وضمن فترة قصيرة مواقع استراتيجية عسكرية وسياسية في مناطق النفط والغاز الرئيسية من العالم وفي الخليج وبحر قزوين وآسيا الوسطى فما لم تستطع الولايات المتحدة الحصول عليه خلال حرب الخليج الأولى تعول في الحصول عليه الآن بحجة مكافحة الارهاب الدولي. سيطرة المصالح وبذلك يمكن القول ان الحرب الدائرة اليوم توجهها المصالح وانسجامها مع مصالح النظام المهيمن والا كيف يمكن لتنظيم القاعدة أن يكون مجاهداً ضد الاتحاد السوفييتي سابقاً وارهابياً عندما يواجه أميركا، فالحرب التي تجري اليوم والتي جرت بالأمس كانت توجهها المصالح الاستراتيجية والمطامع الاقتصادية بالدرجة الأولى قبل أية أهداف أيديولوجية أو ثقافية. ان كل ما يمس مصالح الولايات المتحدة واسرائيل تعده واشنطن ارهابياً، وتعد نضال منظمات تحريرية وطنية مثل حركتي حماس والجهاد الاسلامي وكذلك حزب الله في لبنان ارهابياً، لكنها في الوقت نفسه لم تعر انتباهها الى الارهاب الصهيوني الرسمي الذي تقوم به اسرائيل يومياً. ولقد دأبت وسائل الاعلام الأميركية على تصوير العالم الاسلامي من خلال عدسة التطرف والارهاب، وتتحرك أميركا لاختزال العالم الاسلامي الى شكل، والى صورة تبدو بجوهرها المعادية للغرب.. وهكذا فان الغرب ينفر من كل شيء اسلامي ويبرز صورة عن نفسه تتمثل في المتعة والتفوق ويصبح الحوار وسيلة لخنق صوت الآخر، فما بذله المجلس الاسلامي الأميركي في اطار توضيح الفكر الاسلامي وخاصة بعد مرور ثلاثة حوادث في الولايات المتحدة تم الربط عند وقوع كل منها بين الارهاب والاسلام. في الوقت الذي نرى فيه الدور البارز للمسلمين من خلال اسهاماتهم في الحياة الأميركية حيث شكل المسلمون جزءاً من الولايات الأميركية منذ المراحل الأولى لقيامها، وان مكتشفين مسلمين من الصين وغرب أفريقيا زاروا القارة الأميركية قبل كولومبس أو ان المريون وهم مسلمون من الأندلس وشمال أفريقيا هربوا من محاكم التفتيش وانضموا الى المكتشفين والأسبان الذين استقروا في شبه جزيرة فلوريدا ومناطق الجنوب الغربي. ومن هنا فان مشكلة العالم الاسلامي تتمثل في توقف حركته الحضارية بشكل عام وهو توقف حركة حضارية لأمة تمتلك ديناً يشحن الانسان بطاقة هائلة للحركة وهذه الطاقة العظيمة ان لم تستثمر على طريق البناء الحضاري فانها ستتحول الى ردود فعل لذلك فان مشكلة العالم الغربي هو تخوفه من الحركة الحضارية في العالم الاسلامي ومحاولة صد هذه الحركة عن طريق اشعال بؤر الفتن واثارة النزاعات الحدودية والاقليمية ومحاولة احتواء الأنظمة وهدم الهوية الثقافية. ان عدد المنظمات الصهيونية في أميركا تعد بالمئات ومن أشهرها ايباك وبيت الحرية.. ومهمة هذه المنظمات توجيه التهم للعرب والمسلمين ونسف الجسور مع الغرب وآلية عمل منظمة بيت الحرية تقوم على عقد المؤتمرات التي يحضرها أشخاص عرب يحملون الجنسية الأميركية وتشكيل جمعيات من هؤلاء المهاجرين تكون مهمتهم نقل معلومات عن أوضاع بلدانهم الأصلية الى الدبلوماسيين الأميركيين الذين يصعب عليهم الوصول الى مثل هذه المعلومات وهكذا أنتج بيت الحرية منظمة جديدة تحمل اسم مسيحيي الشرق الأوسط والمسيحيون منها براء وهذه المنظمة تهدف الى نشر الاتهامات التي يوجهها ـ بيت الحرية ـ. للدول الاسلامية، اضافة الى هذا الدور التخريبي الذي يمارسه بيت الحرية يقوم أعضاء هذه المنظمة بتصوير المسلمين والعرب بأنهم العدو الأول للغرب من خلال الصحافة والتلفزة والسينما والاذاعة والمجلات والكتب والانترنت وقد نجحت منظمة ـ بيت الحرية ـ في خلق سلسلة من القلاقل والفتن الطائفية في عدد من الدول الاسلامية.. ان القدس كان يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بسلام حتى اذا اقتضت المصالح المادية العالمية تحويلها الى مركز صراع تحولت الى قضية، وهكذا قضية الخلافات التي تتفجر بين آونة وأخرى في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي العالم الاسلامي تتخذ زيفاً الطابع الديني ووراءها مصالح القوى الكبرى والصهيونية العالمية، ففي الخليل منع الجيش الاسرائيلي المسلمين من رفع الأذان في الحرم الابراهيمي الشريف بالمدينة بعد أن سيطر بالقوة على المنبر وغرفة الأذان فيه واعتدى بالضرب على الفلسطينيين الموجودين داخل الحرم ومنع منذ ابريل الماضي المسلمين من الصلاة في الحرم بحجة الاعتبارات الأمنية والقيام بأعمال الترميم فيما سمح للمستعمرين المستوطنين اليهود بالدخول وتدنيس الحرم الشريف، وكانت آخر العراقيل الاسرائيلية الخبيثة لمنع المصلين هي تسليط عدد كبير من هؤلاء المتشددين المستوطنين الذي قاموا بمهاجمة العديد من المساجد أثناء قيام المسلمين بالصلاة وحدث ذلك في أكثر من مسجد داخل الأراضي العربية المحتلة ولم تكتف اسرائيل باستغلال المأساة التي ضربت! الولايات المتحدة الأميركية، وللتغطية على عملياتها العدوانية وجرائمها اليومية بدأت بتوسيع دائرة حملاتها المغرضة ضد مسلمي العالم محاولة توجيه أصابع الاتهام عليهم ولصرف أنظار العالم عما يجري من عمليات قمع وتشريد وتهديم منازل الفلسطينيين منتهكة كل حدود القوانين والشرائع الدولية، ومركزة بحملاتها المسمومة على العرب والمسلمين لاصدار الحكم المسبق والصاق تهمة الارهاب بهم وهكذا توجهت أنظار أعداء المسلمين الى العالم الاسلامي مستخدمين وسائل عديدة لم تعد خافية على أحد ومعلنين حرباً اعلامية ساخنة ومدمرة. التخلي عن الحرية ان الولايات المتحدة تعتبر الاسلام عدوها الأول وخاصة بعد قيام الادارة الأميركية بالربط بين الاسلام والارهاب، وهذا الربط واضح مع ان أميركا تحاول اقناع العالم انها لا تربط بين الاثنين ولكن ما نشاهده اليوم في الاعلام الأميركي وما نقرأه في وسائل الاعلام الصهيوني يثبت ان العدو الجديد الذي يجب أن تقضي عليه أميركا وأن تحمي شعبها منه هو الاسلام ومنذ قرابة ثلاثة شهور كانت هناك تحذيرات حول عمليات ارهابية محتملة وكان الشاب المصري محمد نيازي آتياً من نيوجرسي الى نيويورك ويستمع الى المذياع داخل السيارة والى محطة تبالغ في التحذيرات من المسلمين حيث هناك أطراف سلبية فاعلة في الـ «اف. بي. آي» ـ والـ «سي. آي. ايه» تصعد من هذه الهجمة المغرضة علينا وفي احدى الاستراحات على الطريق العام نظر اليه شخص وظن انه أميركي لاتيني وخاطبه بقوله يجب أن يعتقل كل المسلمين والعرب في أميركا ومن ثم يرحلون أو يلقى بهم في المحيط بلا رحمة وهنا لابد للجميع وعلى الأخص الأميركيون والأوروبيون أن يواجهوا حقيقة من حقائق التاريخ المعاصر وهي أن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة قد عملت على تخريب هذا الرصيد من العلاقات والصداقة والاعجاب الفكري والحضاري لدى العرب حيال الولايات المتحدة وأوروبا وعلى من يهمهم الأمر التنبه الى هذا النهج الاسرائيلي. واذا ابتغت اسرائيل من ذلك حجب التفهم السياسي الغربي لمشكلة تشريد الشعب الفلسطيني والاستئثار بمساندة القوى الغربية فان النتيجة التاريخية المؤسفة الأعم والأوسع هي خلق فجوة وهوة واسعة بين المجتمعات الاسلامية من ناحية وقيم ومنجزات الحضارة الغربية من جهة أخرى وذلك ما يدفع الغرب ثمنه بشكل باهظ اليوم وليس العرب المسلمين فحسب، وللحقيقة التاريخية أيضاً فان أبرز حدث ارهابي ضد المدنيين والأبرياء قد وقع في الشرق الأوسط على يد مناحيم بيغن زعيم ـ الهاغاناه ـ باعتراف السلطات القضائية البريطانية وملاحقتها قضائياً له مع أفراد جماعته في ذلك الوقت. لقد أوضح ديفيد ديوك الرئيس القومي لمنظمة الحقوق والوحدة الأميركية الأوربية ان اعطاء السياسة الأميركية أولوية لاسرائيل كان خطأ أخلاقياً اضافة الى أنه سبب الدمار الكبير للولايات المتحدة الأميركية وتكلفنا مئات المليارات من خلال مساعدتنا المباشرة لاسرائيل عبر السنين وعلينا ألا نسمح للوبي الصهيوني أن يناور بنا ويدخلنا في حرب أكبر ويجب أن تنتهي السيطرة الصهيونية على وسائل الاعلام الأميركية ويجب أن يكون الأميركيون مسئولين عن اعلام نزيه وغير متحيز يخدم المصالح الحقيقية للشعب الأميركي ولا يخدم برنامج اللوبي الصهيوني وعلى أميركا أن تتنبه الى الخطاب الرائع لمؤسس بلدنا جورج واشنطن وأن تتجنب التدخل في الشئون الخارجية وعلينا أن نستذكر أن الشعب الذي يتخلى عن حريته من أجل أمنه لا يستطيع أن يحقق شيئاً. ـ كاتب سوري