الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 «إنهم يدمرون اقتصادنا من خلال مزاعم لا أساس لها .. ويجدر بهم أن يبلغونا بهوية ومكان وزمان العمليات المتوقعة حتى يتسنى لنا اتخاذ الاجراءات للحيلولة دون وقوعها». كانت هذه بعض العبارات اللاذعة التى وجهها رئيس الوزراء الماليزى الدكتور مهاتير محمد في 22 نوفمبر الماضى إلى الولايات المتحدة الأميركية ردا على تحذير أصدرته الخارجية الأميركية حذرت فيه من «مخاطر متزايدة محتملة تهدد المواطنين الأميركيين والمصالح الأميركية في ماليزيا» وأن ماليزيا عرضة لهجوم مثل الذى وقع في جزيرة بالى الأندونيسية. والشاهد في تصريحات رئيس الوزراء الماليزى ليس ما سبق، ولكن اتهامه لواشنطن وبأسلوب لاذع «بنكران الجميل» لأن ماليزيا كانت ومازالت من أوائل وأكثر الدول التى قدمت خدمات أمنية للولايات المتحدة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ساعدت في كشف كثير من أوراق تنظيم القاعدة والقبض على كثير من أعضائه، حيث أن ماليزيا كانت معبرا ومحطة عبور لأعضاء القاعدة لأسباب كثيرة ربما من أهمها أنها تسمح لمعظم العرب والمسلمين بالدخول إليها دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة، وقد تعاونت السلطات الأمنية الماليزية مع الأميركيين على أعلى المستويات وفتحت لها كل الملفات، ومع ذلك فالأميركيون لم يضعوا أى اعتبار لهذا التعاون،ونكروا الجميل مباشرة وأجبروا نائب رئيس الوزراء الماليزى عبد الله بدوى في آخر زيارة له إلى الولايات المتحدة في شهر أكتوبر الماضى على أن يخلع حذاءه في المطار وهو رئيس لوفد رسمى لبلاده وكان في زيارة رسمية لواشنطن مما اعتبر إهانة للحكومة وللدولة الماليزية التى لولا تعاونها الأمنى مع أميركا لما تمكنت من القبض على كثيرين ممن ألقت القبض عليهم من تنظيم القاعدة. والآن تصدر الخارجية الأميركية تصريحات ضد ماليزيا التى تعتمد على السياحة كأحد أهم مواردها حتى يحجم السياح عن الذهاب إليها مما يؤثر على أحد أهم مواردها وتجعل السكان يعيشون في قلق واضطراب وخوف لأنها تريد العالم أن يعيش خوفها. وما تعرضت له ماليزيا من «نكران للجميل» حسب وصف رئيس الوزراء الماليزى تتعرض له كل الدول التى وقفت إلى جوار الولايات المتحدة وفتحت لها كل ملفاتها الأمنية، فأميركا لا تقنع بكل ما قدم، بل تقوم وسائل إعلامها بعملية ابتزاز كبرى، يساندها فيها مسئولون في الادارة يبتزون من خلالها الدول العربية والاسلامية الكبرى من خلال تصريحات عن عدم تعاون هذه الدولة وقدرة الاخرى على التعاون أكثر، أو القيام بانتهاك سيادة دول قامت بجهد كبير مساعد لأميركا مثل اليمن، من خلال القيام بالعملية العسكرية التى طالت أحد قيادات القاعدة مما أغضب الصحف البريطانية وعلى رأسها «الجاريان» التى علقت في اليوم التالى للعملية بسخرية متوقعة أن يقوم الأميركيون في المرة المقبلة بقصف بعض المراكز الأسلامية في العاصمة لندن بحجة أن من فيها ربما يهددون الأمن الأميركى. إن الذين يتوقعون من واشنطن أن ترد الجميل لهم لأنهم أمدوها بمعلومات أو ساعدوها في القبض على أحد أو سلموها بعض مواطنيهم تحت أى مبرر واهمون لأن غطرسة القوة التى تتعامل بها واشنطن مع الآخرين قائمة على مبدأ بوش الذى قال فيه «من ليس معنا فهو ضدنا» والمعية في السياسة الأميركية هي التبعية وتنفيذ الأوامر، وعدم انتظار كلمة شكر أو تقدير، لأنه يكفي أن تسكت أميركا عمن يتبعها ليكون ذلك قمة الرضا منها عليه، وهذا ما ينفذ بالفعل. فأميركا تتعامل مع حلفائها بأساليب تخلو من كل وسائل اللياقة ولعل الطلب الذى قدمته واشنطن للدول العربية في 21 نوفمبر الماضى أثناء انعقاد قمة حلف الناتو في براغ بأن تحدد موقفها من المشاركة في تشكيل تحالف دولى لنزع أسلحة العراق في مدة لا تزيد على شهر يكشف الأسلوب التسلطى والمتغطرس الذى تتعامل به أميركا مع حلفائها، هؤلاء الحلفاء الذين قدموا بالفعل لأميركا أكثر مما كانت تحلم به رغم أن هذا عرض الأمن القومى لمعظم هذه الدول للخطر لأن كل المعلومات التى تحصل عليها أميركا تصل قطعا إلى إسرائيل العدو التقليدى للدول العربية . لقد ذهبت انتقادات رئيس الوزراء الماليزى أدراج الرياح ولم يلتفت إليها كثير من الناس لأن كم الأخبار والاضطرابات التى يمر بها العالم أكبر من ان تسلط الأضواء عليها، لكنها في الحقيقة كشفت حقيقة مهمة ربما يتغافل كثيرون عنها، هى أن كل من يساعدون أميركا أو يخدمونها أو يقدمون لها الدعم لن يكون جزاؤهم منها في النهاية سوى «جزاء سنمار». ـ كاتب واعلامي مصري