الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 لا يعرف إن كان هو الذي لا يشبه الآخرين أم أن الآخرين هم الذين لا يشبهونه. فقد نشأ على مجموعة من الرؤى والتصورات التي لم يداخله ادنى شك في صوابها. كان بامكانه ان يفترض فيها الصحة والخطأ، لكن وعيه الذي تفتح باكراً كان منصباً على الجانب المضيء من الصورة، ولم يلتفت حينها إلى الجانب المظلم منها. هل كان ذلك صواباً أم أنه خطأ فادح ارتكبه وسيدفع ثمن ارتكابه له لاحقاً؟ لم يكن هذا هو السؤال المطروح في مرحلة تفتح البراعم تلك. كانت المعرفة عنده غاية ولم تكن وسيلة، وقد اعتقد وقتها انه من المبكر جداً تحديد الأهداف أو التفكير فيها. هذا ما حدث في مرحلة نعومة الاظافر تلك، ولم يحاول احد ان يصحح له هذا المفهوم في ذلك الزمن الذي لم يبارح مخيلته. هل كان ذلك خطأ آخر من جملة الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها الانسان في مرحلة ما من مراحل حياته؟ لم يكن هذا السؤال مطروحاً أيضاً لأن الأهداف نفسها في تلك المرحلة لم تكن كثيرة كما بدت بعد ذلك إما نتيجة للتحولات التي حدثت في داخله هو فأعادت صياغة نمط تفكيره، أو نتيجة للتحولات التي حدثت حوله فغيرت المحيط الذي يعيش فيه. هل ثمة فرق بين الاحتمالين؟ ربما.. ولكنه على كل حال ليس فرقاً ذا شأن يذكر على مستوى النتائج وإن كان له شأن على مستوى المقدمات. سوف يسأل نفسه كثيراً بعد ذلك ويلح في السؤال: لماذا لم يدرك مبكراً أن شيئاً من هذا القبيل كان يمكن أن يحدث؟ ولكنه سؤال من ذلك النوع الذي يدرجه العارفون ببواطن النفس البشرية في خانة جلد الذات أكثر من كونه سؤالاً قابلاً للإجابة. ثم إنه لا يرى أن الاجابة عنه مفيدة ومؤثرة على مستوى تحويل مجرى الأحداث وتغيير الواقع، فعقارب الساعة قد قطعت آلاف الاميال التي لم يعد بالإمكان تعويضها، ناهيك عن إعادة تلك العقارب إلى الوراء، ولا يمكن في الوقت نفسه محو آثارها.. فأي محاولة لفعل شيء من ذلك إنما هي نوع من العبث وإهدار الوقت والجهد.. خاصة وأن الوقت لم يعد يحتمل مزيداً من الهدر لأن القافلة تتقدم بخطى حثيثة، وكل ثانية تأخر عنها تفقده المزيد من النقاط وتعيقه عن اللحاق بها.. وقد أدرك أن التوقف لا يؤخره عن الصفوف الأولى فقط، وإنما يدفع بمن هم خلفه إلى أخذ مكانه، وهو الذي ما تصور لنفسه يوماً سوى الصف الأول. هل كان ذلك غروراً أم هي ثقة زائدة بالنفس؟ سؤال آخر لم يطرحه على نفسه أيضاً كي لا ينشغل بالإجابة عن أسئلة كان يعتقد أن إجاباتها لا تستحق كل هذا العناء. وحسناً فعل.. فقد كان الزمن يدّخر له الكثير من الأسئلة التي هي بحاجة إلى بذل الكثير من الجهد للوصول إلى إجابات شافية لها.. وكان تركها دون إجابة أو العجز عن الوصول إلى إجابات مقنعة لها أمراً مؤلماً يلقي به في دوامة من اليأس القاتل، ويدفعه إلى تلك الدائرة المغلقة من البحث في الأسباب والمسببات والعلة والمعلول، وعن أجوبة لتلك الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة والمفكرين في مرحلة ما من مراحل حياتهم، فكانت سبباً في اتهامهم بالكفر وبالزندقة وبالجنون، وألحقت بهم الكثير من المثالب والمصائب والمحن. هو لم يختر هذه السفينة التي وجد نفسه مبحراً فيها، ولم يختر الاتجاه الذي وجد نفسه مبحراً إليه.. ولو عاد به الزمن إلى الوراء فلا يعرف إن كان سيختار السفينة نفسها والاتجاه نفسه، أم أنه سيختار سفينة أخرى ميمماً شطر شواطيء غير تلك التي عرفت رمالها وصخورها قدماه. قضية أخرى طالما أرّقته وألقت به إلى هوة سحيقة من التفكير في مسألة التخيير والتسيير تلك التي اختلف عليها الفلاسفة والعلماء، ولم يستطع أي فريق منهم أن يقنعه بوجهة نظره كاملة، فاختار لنفسه شيئاً من فكر هؤلاء وشيئاً من فكر أولئك، ثم أغلق ملف هذه القضية دون الوصول إلى جواب نهائي، وقرر عدم المغامرة بفتحه إطلاقاً حتى لا يقذف بركان الشك في وجهه بآلاف الاسئلة التي يعلم أنه لن يجد لها أجوبة جامعة مانعة، كما يقول علماء المنطق الذي طالما حيّره. إنه المنطق إذن.. ذلك الميزان الذي أخضع الأمور له فخذله.. فقد كان يظن أن جميع الأمور لابد أن تخضع لمنطق الأشياء.. ويوماً بعد يوم كانت تتكشف له ثغرات في النظرية التي جمع على أساسها ذخيرته في الحياة.. تلك الذخيرة التي تكونت من مجموع القيم والرؤى التي كانت تتراكم داخله بمرور الأيام.. فقد عمل طيلة السنوات التي عاشها على فرز الكم الهائل من التجارب التي مر بها، كما عمل على فرز الوجوه التي حفظت الذاكرة ملامح بعضها وألقت ببعضها الآخر في غياهب النسيان. وبمرور الوقت أصبح له عالمان: عالم مثالي يشكله بالطريقة التي تتفق مع منظومة الرؤى التي كونها في تلك المرحلة التي يسميها وردية من العمر، عندما كان لا يأبه بالكثير من الاسئلة التي كانت تعترض مسيرة حياته، وعالم آخر يهيمن الواقع عليه ويشده إلى الأرض بآلاف السلاسل، ويزرع القيود في أرجائه. عالم تكوّن بعد أن اصطبغت المراحل التالية بمختلف الألوان، وتكدست في طرقها آلاف الأسئلة، وانتشرت في سمائها سحب دخان حجبت عنه ضوء الشمس. هكذا انجلى غبار الحياة عن صورة نرسم ملامحها كما نريد، ونختار ألوانها على النحو الذي يناسب أذواقنا ويحقق لأرواحنا السكينة والرضا، وأخرى تسلبنا متعة العيش في هذه الصورة الزاهية وتعيدنا إلى أرض الواقع لتنزلنا من تلك الأبراج العالية التي اخترناها لأحلامنا، وتصفعنا بآلاف الحقائق لتجبرنا على التأقلم معها ومعايشتها إذا أردنا أن لا نتخلف عن القافلة مهما كان موقعنا فيها. وكانت النتيجة مجموعة من الأوراق التي اختلطت وأصبحت عملية فرزها وإعادة ترتيبها عملية جديرة بالنظر والاهتمام رغم صعوبتها. هل ثمة وقت لإعادة ترتيب تلك الأوراق التي اختلطت؟ ربما كان هذا هو السؤال الأجدر بالتفكير والبحث عن إجابة دقيقة له الآن، فما عاد الوقت يسمح بالقفز على أسئلة مهمة من هذا النوع بعد أن قفز على مئات الأسئلة التي كان التوقف عند واحد منها في المراحل السابقة كفيلاً بإعادة الأمور إلى نصابها ورسم خريطة الطرق بشكل أوضح وأقل تشابكا. هنا يتوقف فعلاً ليثبت أن الحركة ليست وحدها الدليل على الحياة، فالسكون أيضاً حياة من نوع آخر.. وما أحوجه في هذه اللحظة بالذات إلى السكون.. وإلى السكينة!