الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 اذا جاز اعتبار الضربة المزدوجة الموجهة الى هدفين اسرائيليين في كينيا قبل بضعة ايام ايذاناً بانطلاق سلسلة لا تنتهي من ضربات مماثلة في انحاء العالم من تدبير تنظيم «القاعدة»، فإن القضية الفلسطينية تكون قد دخلت مرحلة جديدة يترتب عليها ان تواجه اسرائيل من الآن فصاعداً جبهتين عوضاً عن جبهة واحدة. واذا كانت هجمات تنظيم «القاعدة» قبل 11 سبتمبر وبعده اقتصرت على اهداف اميركية ـ على افتراض ان الهجمات المنسوبة اميركياً الى «القاعدة» هي فعلاً من تدبير هذا التنظيم ـ فإن هذا ليس معناه ان قيادة «القاعدة» تفرق بين اميركا واسرائيل، على العكس من ذلك فإن «القاعدة» ترى في التحالف الاميركي مع الدولة اليهودية جبهة صليبية موحدة ضد الاسلام والمسلمين ونذكر ان اسامة بن لادن حرص في معظم بياناته على ابراز الصراع العربي الاسرائيلي وتحرير فلسطين في صدر اجندته. وفي كل الاحوال فإنه لوحظ في اعقاب 11 سبتمبر ان ابن لادن يتمتع بشعبية كبيرة بين الشعب الفلسطيني، ونذكر تلك المظاهرة العارمة التي خرجت في الارض المحتلة والتي حمل عشرات الآلاف من المتظاهرين فيها صور ابن لادن مما استفز قيادة السلطة الفلسطينية ففتحت قوات الامن التابعة لها النار لتفريق المظاهرة فقتلت اربعة طلاب فلسطينيين. على ان من المشكوك فيه، رغم هذا التأييد الفلسطيني الكاسح لتنظيم «القاعدة»، ان تكون هناك علاقة تنظيمية او تنسيقية بين «القاعدة» و«حماس» او «الجهاد» او اي من فصائل المقاومة الفلسطينية الاخرى. ومن باب اولى اذن ألا تكون هناك اية رابطة بين «القاعدة» والقيادة العرفاتية للسلطة الفلسطينية، على العكس من ذلك فإن عرفات ورجاله يبذلون اقصى جهد للنأي بأنفسهم عن ابن لادن ونشاط منظمته. واكثر من ذلك فإنهم يعمدون الى شجب اعماله مجاراة للرؤية الاميركية للارهاب العالمي وقد رأينا كيف كان الرئيس عرفات من اوائل القادة العالميين الذين سارعوا الى ادانة تفجيرات سبتمبر في الولايات المتحدة وكيف ان الرئيس الفلسطيني تبرع بالدم لجرحى نيويورك وواشنطن. لكن رغم غياب العمل التنسيقي النضالي بين تنظيم «القاعدة» وفصائل المقاومة الفلسطينية، ورغم الروح العدائية لقيادة السلطة الفلسطينية تجاه ابن لادن ومنظمته، تأتي الآن عملية الهجوم على هدفين اسرائيليين ـ فندق وطائرة ركاب ـ خارج الارض المحتلة وخارج اسرائيل كنقلة جديدة تماماً يمكن ان تكون مؤشراً اولياً لتدشين جبهة اضافية لصالح النضال الفلسطيني ضد اسرائيل، مما يعطي بعداً جديداً وخطيراً لمعادلة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي انخرطت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات من مقرها في بيروت ومن خلال تنظيم سري اطلق عليه «أيلول الاسود» في عمليات «ارهابية» ضد اهداف اسرائيلية في الخارج: خطف طائرات، وتفجير سفارات، واغتيالات فردية وجماعية، كانت تلك «حرباً» من جبهة واحدة.. فلم يكن يوازيها كفاح مسلح داخل الارض المحتلة او العمق الاسرائيلي وفي هذه «الحرب» انتصرت اسرائيل في النهاية بعد سلسلة من الهجومات المضادة. الآن يحدث العكس منذ اندلاع انتفاضة الاقصى واستمرارها لمدى العامين الاخيرين، فهناك اجماع بين قادة فصائل المقاومة المسلحة بأن تنحصر المقاومة داخل الارض المحتلة والعمق الاسرائيلي.. والسؤال الذي يطرح الآن في ضوء دخول «القاعدة» على الخط بضرب هدفين اسرائيليين في الخارج هو: هل اصبحت اسرائيل مواجهة بجبهتين من العمل النضالي المسلح، احداهما داخلية والاخرى خارجية؟ بالطبع لم يثبت حتى الآن وبصفة قاطعة ونهائية ان تنظيم «القاعدة» هو فعلاً الجهة المسئولة عن ضرب الفندق الاسرائيلي واستهداف طائرة الركاب الاسرائيلية في ممباسا الكينية، لكن هناك قناعة اسرائيلية كينية على الصعيد الاستخباراتي بأن «القاعدة» هي الجهة المدبرة والمنفذة. وتأسيساً على هذه الفرضية القوية ينبثق سؤال ثان: هل ما جرى في ممباسا يعتبر مجرد رسالة تحذيرية اراد قادة «القاعدة» ابلاغها الى اسرائيل وينتهي الامر عند هذا الحد ام ان الحادثة تدشين لمرحلة جديدة من نشاط «القاعدة» تنطوي على ضربات متتالية ومتسلسلة ضد اهداف اسرائيلية في انحاء العالم بأسره؟ لو صح الجزء الثاني من السؤال فإن معناه ان اسرائيل باتت موعودة بمواجهة جبهتين ساخنتين للمرة الاولى.