الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 ما ان اعلن عن تشكيل الحكومة البحرينية الجديدة التي ضمت ثلاثة وعشرين وزيراً ليس بينهم امرأة او نائب برلماني، حتى فوجئ البحرينيون بمسيرات تكررت اكثر من مرة وفي اكثر من موقع، مسيرات شكلت سابقة في تاريخ البحرين، حيث نظم العشرات مسيرات تطالب باعادة الدكتور محمد بن جاسم الغتم وزيراً للتربية والتعليم الذي نقل الى مركز البحرين للدراسات والبحوث خلفاً للدكتور علي فخرو، وتعيين الدكتور ماجد النعيمي وزيراً للتربية والتعليم. في البدء لم يعرف احد لماذا خرجت تلك المسيرات المطالبة باعادة الغتم الى منصبه، ومن هم وراء هذه المسيرات، ولماذا هذا الوزير بالذات، فالوزارة الجديدة جاءت لتعبر عن استمرار مرحلة دامت اكثر من سبعة وعشرين عاماً. اذ لم يفاجأ احد بما تم، وحجم التغيير الوزاري كان محدوداً جداً، حيث جرى تدوير الحقائب على اغلبية الوزراء وخرج ثلاثة من الطاقم القديم ودخل ستة جدد واضيفت ثلاث وزارات جديدة هي وزارة الدولة لشئون مجلسي الشورى والنواب، ووزارتان للدولة دون حقائب. البعض ممن يرصد الواقع الاقليمي وتطوراته على الساحة العراقية وبعض دول مجلس التعاون، حلل التغيير في وزارة التربية والتعليم على انه توجه (لتنظيف) الوزارة من بعض العناصر الاصولية المحسوبة بشكل او بآخر على تنظيمات اقليمية اصولية قد تكون لها صلات بتنظيم القاعدة. ويعزي هذا البعض التغيير الى ضغوطات اميركية، ليس على المنامة فحسب بل على كل دول مجلس التعاون الخليجي التي تشعر بقلق زيادة التدخل في الشئون الداخلية بما فيها برامج التعليم التي تراها واشنطن المنبع الرئيسي لتخريج (ارهابيين) حسب الوصف الاميركي. بيد ان الوزير السابق للتربية والتعليم لم يكن اصولياً، فقد كان اكثر من ترجم السياسة الحكومية بحذافيرها عندما كان رئيساً لجامعة البحرين ابان الاحداث، حيث نفذ سياسة واضحة تعبر عن طبيعة التوجهات الرسمية ازاء الجامعة، وادخل اجهزة الامن الى الحرم الجامعي ومنع كل من لا ينتمي للجامعة من الدخول اليها. وحين اصبح د. محمد الغتم وزيراً للتربية، واصل ترجمة التوجهات الحكومية، فلم يشعر الطاقم التعليمي بتغييرات تذكر خلال الفترة الأولى من عهده. ولكن مع مجيء ملك البحرين الى سدة الحكم واطلاقه المشروع الاصلاحي، تبين ان هناك آلافاً من خريجي الجامعة ينتظرون على قوائم التوظيف في وزارة التربية والتعليم. فقد بلغ خريجو اللغة العربية وحدها الذين ينتظرون دورهم في التوظيف قرابة الألف شخص. وكان امام الدولة خياران اما ترك المسائل على ما هي عليه، اي زيادة طابور الانتظار، وعدم احداث اية تغييرات تذكر وبالتالي استمرار الاحتقان الاجتماعي خاصة في جانب البطالة التي تصل الى نحو 14 بالمئة من اجمالي العمالة المحلية، وهي نسبة تعد عالية جداً اذا قيست بحجم العمالة الاجنبية في البلاد، اذ تصل الى قرابة 190 ألفاً لتشكل نسبة 62 بالمئة من اجمالي العمالة في البحرين. المهم ان الدولة قررت توظيف الخريجين المرشحين للعمل بوزارة التربية فقضت على الطابور المنتظر الا قليلاً. وكان ذلك في عهد الوزير السابق، مما يعد انجازاً له بالرغم من ان ذلك جاء بناء على توجيهات عليا من القيادة السياسية. اصحاب نظرية التطهير يترقبون ويرصدون التحركات في وزارة التربية والتعليم البحرينية، وكذلك في الوزارات المماثلة في دول مجلس التعاون، ويتابعون تصريحات المسئولين الاميركيين الذين يزيدون من جرعات الانتقاد كلما صدر تصريح هنا او هناك يرفض او يتحفظ على ضرب العراق بلا سبب وتدمير بنيته التحتية. ويبدو ان في الافق بعض التغييرات والتدوير الذي ستشهده وزارة التربية والتعليم. واذا تأكد هذا الحدس فإن هؤلاء سيجدون من نظريتهم واقعاً ملموساً قد يشمل باقي دول المجلس، التي قد تسير على الدرب البحريني في قضايا الاصلاح والانفراج الامني والسياسي الذي كان ضرورياً للانتقال من مرحلة الاحتقان السياسي والاجتماعي الى مرحلة الانفراج الامني وتحريك عجلة الاقتصاد المتعثرة، والبحث عن حلول للقضايا مثل توافق التغييرات في الدستور مع ميثاق العمل الوطني، وازمة البطالة، ومشكلة التعليم وقضية التجنيس التي انتعشت قبيل الانتخابات النيابية التي تمت اواخر اكتوبر الماضي. ما حدث لوزارة التربية في البحرين قد يشكل ـ في اغلب الظن ـ مؤشراً لاحداث تغييرات في مناهج التعليم الحكومية الخليجية، بعض المدارس الخاصة توزع كتب تعليمية في التاريخ والجغرافيا تبرز فيها «اسرائيل» وتختفي فلسطين منها، تماشياً مع ضغوطات بعد الحادي عشر من سبتمبر. والظاهر ان الضغوطات الاميركية تسير بتواز في مجالين رئيسيين: الاول افساح المجال وتقديم التسهيلات العسكرية للقوات الاميركية ومن سيتحالف معها في ضرب العراق. والثاني فرض تغييرات هيكلية في السياسة الخليجية وخاصة على مستوى التعليم، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتغيير نمط السائد في العلاقات بين المجتمعات الخليجية وحكوماتها، بما يهيئ ارضية جديدة لمرحلة اخرى غير تلك التي سادت منذ منتصف القرن الماضي. ولكن تبقى مناهج التعليم في المنطقة هي المعرضة لاتهامات بتفريخ (الاصوليين والارهابيين)، وبالتالي فإن اصحاب نظرية الضغط الاميركيين قد يكونون على حق في هذه الفترة على الأقل والتي تشهد خضات حقيقية في وزارات التربية، ولكن بصورة هادئة صامتة. واذا كان الوزير البحريني قد غادر وزارة التربية، فإن الايام القليلة المقبلة مرشحة لأن يشهد طاقم الوزارة خضات ستطيح ببعض المناصب، ما يؤذن باعادة تركيب وزارة التربية البحرينية التي يكثر فيها الشخصيات الدينية والمتعددة الانتماء للاسلام السياسي القريب من السلف، ما يؤذن بقراءة التجربة وتمحيصها استعداداً لاحتمالات تطبيقها على وزارات التربية في باقي دول مجلس التعاون الخليجي. ان الولايات المتحدة الاميركية تضغط بشكل كبير على دول المنطقة لتغيير مناهج التعليم.. فهل تفلح واشنطن في ذلك؟ ـ كاتب بحريني