الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 مطلوب منا أن نصدق كل ما يشغل بال الإدارة الأميركية بالنسبة لنا هو غياب الديمقراطية في العالم العربي، وأن كل (جهادها) ما تقدم منه وما تأخر، ليس من أجل السيطرة على البترول ولا الهيمنة على المنطقة ولا بناء امبراطوريتها الأعظم، وانما من أجل ارساء قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان في عالمنا العربي.. وبالمرة في العالم الاسلامي! ومطلوب منا أن نصدق أن الحملة الأميركية القادمة لتدمير العراق هي من اجل بناء حياة حزبية ينعم بها المواطن العربي في العراق. وأن احتلال هذا القطر الذي ساهم في بناء حضارة الإنسان أضعاف ما ساهمت به أميركا نفسها هو من أجل تدريب العراقيين (أو من سيتبقى منهم على قيد الحياة) على الحوار الديمقراطي، وأن الجنرال الأميركي الذي سيحكم العراق لمدة عامين من أجل اعادة تأهيلها هو الذي سيرسي قواعد الحريات حتى لو تم ذلك على نهر من الدماء العربية، وهو الذي سيجعل العراق بعد التعديل هو هدية أميركا للعرب والمسلمين ونموذج الحياة المطلوبة للدخول في جنة اميركا التي لا يقترب منها الا الموعودين! ومطلوب منا أن نصدق أن الادارة الاميركية تحولت الى مؤسسة خيرية ليس لها من هدف الا تحرير العرب والمسلمين من اوضاع طالت معاناتهم منها، ومن تخلف يكبل خطواتهم، ومن أنظمة تطبق على أنفاسهم. ومطلوب أن يسعد الجميع حين يتلقون (البشائر!) من أركان الإدارة الأميركية أو من شيوخ الكونغرس أو ثعابين الاعلام الصهيوني الأميركي بأن العراق ليس الا البداية وبعدها تنتقل المهمة إلى أقطار أخرى.. البعض ينبئنا بأنها لبنان وسوريا لاستئصال المقاومة الوطنية، والبعض يجزم بأن الخطوة التالية هي مصر والسعودية إيمانا بأن اخضاعهما سوف ينهي مشاكل الولايات المتحدة في المنطقة. وكل العرب - بمقتضى هذه السياسة - متهمون ولن تثبت براءتهم الا بالموافقة على ما تريده واشنطن وبدون أية تحفظات، وبتحويل بلادهم الى قواعد عسكرية للولايات المتحدة، وبتحويل ثرواتهم الى أرصدة للاحتياطي الأميركي، وتحويل بترولهم الى سلاح في يد أميركا (وأميركا فقط) في حربها المعلنة لمنع أي تهديد لسيطرتها المطلقة على العالم عسكريا ثم اقتصاديا وسياسيا. فإذا رفضت مصر ضرب العراق وعارضت سياسة شارون وأبدت مجرد الدهشة من موقف واشنطن الداعم للسفاح الإسرائيلي الذي أصبح بقرار رئاسي أميركي (رجل سلام) لن نستغرب أن يرشحه بوش لجائزة نوبل للسلام!! إذا فعلت مصر ذلك انهالت التهديدات المنحطة بخفض المعونة أو الغائها وهم يعلمون جيدا انهم المستفيدون منها قبل مصر، وبدأت حملات التشهير، ثم انتهى الأمر باعلان مدير المخابرات السابق أنه آن الأوان لرحيل المباركين (نسبة الى الرئيس مبارك) الذين يحكمون مصر، متهما اياهم بتبني سياسات ناصرية!! وليتهم يسمعون الملايين في مصر والعالم العربي وهي تسمع هذا (الإتهام!!) فتقول (ياريت!).. ففي ظل السياسات الناصرية لم يكن ممكنا أن يصل الهوان العربي الى هذه الدرجة، ولا أن يقاتل الشعب الفلسطيني وحيدا، ولا أن تصبح القواعد الأميركية هي الشيء الوحيد الذي يملأ المنطقة من المحيط الى الخليج ولا أن تقبل مصر الحصار الذي يتم فرضه عليها لتنكفئ على مشاكلها في الداخل الذي زادتها السياسات الاقتصادية التي أملتها أميركا على العالم النامي كله وكانت نتيجته هذا النظام العالمي الذي يزداد فيه الاغنياء غنى ويزداد فيه الفقراء فقرا، ويصبح الفساد هو المسيطر، ونهب الشعوب هو الهدف الأسمى! وإذا تحفظت السعودية على ضرب العراق لأنه يفتح أبواب جهنم على المنطقة بأسرها أو اعترضت على المذابح الاسرائيلية للشعب الفلسطيني التي تضعها هي وكل الحكومات العربية في حرج شديد على الشعوب العربية تحولت (وهي الحليف الأساسي لواشنطن على مدى عقود طويلة) من خانة الأصدقاء الى «عدو» ينبغي أن يعامل على هذا الأساس، وتوالت الاتهامات بأنها تدعم الارهاب، وأصبح النظام مطلوبا القضاء عليه، والمملكة نفسها مهددة بالتقسيم لكي تصبح مناطق البترول تحت الاحتلال الأميركي دون ربطها بالأماكن المقدسة. وإذا كانت مصر والسعودية محل تركيز في الهجوم الأميركي في الفترة الأخيرة. فقد سبقتها دول ومنظمات عربية أخرى وضعتها أميركا على لائحة الارهاب قبل 11 سبتمبر بسنوات، ولأسباب لا علاقة لها بـ «الارهاب» بل بـ «المقاومة الوطنية» للاحتلال الاسرائيلي، وهي المقاومة المشروعة في كل القوانين الدولية التي تدوسها أميركا واسرائيل بالأقدام. العرب جميعا - الا من رضى الهوان وقبل بالعجز الأبدي - هم في لائحة الاتهام الاميركية. وإذا كانت قضية ضرب العراق محسومة في واشنطن والخلاف على التوقيت، فإن السؤال عند واشنطن هو: من التالي من العرب؟ ومن اجل ذلك توضع الدول العربية كلها تحت الضغوط من أجل فرض الأمر الواقع الأميركي، والقبول بمخططات واشنطن والتسليم بخرائطها الجديدة للمنطقة. وقد تنجح هذه السياسة مع بعض الحكومات وقد تنتزع تنازلات جديدة ثمنا للرضا الأميركي وعربونا للبقاء في الحكم.. ولكن هذه السياسات لا يمكن أن تخدع الشعوب العربية ولن يكون حصادها الا المرارة والكراهية وطلب الثأر من جراح لن تندمل. يدرك الملايين من ابناء الأمة العربية في مختلف أقطارها أنهم بحاجة الى الديمقراطية، وأن مجمل النظام العربي لا يمكن ان يبقى على قيد الحياة وحالة الحريات وحقوق الإنسان فيه كما هي الآن. ولكنهم يؤمنون أن الانقاذ لن يأتي من الولايات المتحدة، ويعلمهم التاريخ أن الذين دعموا حكم الشاه في ايران وساعدوا الطغاة في كل انحاء الأرض في إقامة المذابح لشعوبهم ما دام ذلك يحقق مصالح أميركا، كما فعل سوهارتو في اندونيسيا وبينوشيه في شيلي وغيرهما.. الذين وقفوا وراء ذلك لا يمكن أن يكونوا دعاة ديمقراطية، والذين كانوا حتى وقت قريب يعاملون مواطنيهم من السود معاملة الكلاب لا يمكن ان يكونوا هم المؤهلين لتعليم العالم حقوق الإنسان، والذين يدعمون شارون والسفاحين الصهاينة في اسرائيل هم آخر من يحق له الحديث عن الديمقراطية. نعم.. نحتاج في العالم العربي الى ثورة ديمقراطية نناضل من أجلها منذ سنوات، ولكن ماذا فعلت الولايات المتحدة الا تعطيل جهودنا لأن مصالحها تقتضي ذلك. ومازلت أتذكر حديث الرئيس المصري السابق أنور السادات في حوار معه بمؤسسة أخبار اليوم الصحفية التي تولى الاشراف السياسي عليها لفترة قصيرة قبيل رحيل الزعيم عبدالناصر وتولى السادات السلطة خلفا له. يومها حدثنا السادات ساعات عن محاولات عبدالناصر لبناء الديمقراطية في مصر ، وجهود أميركا لتخريب هذه المحاولات بفرض المعارك تلو المعارك لاستنفاد الجهد وتعطيل المسيرة. ولا شك أيضا ان العالم العربي يحتاج للكثير من اجل قهر التخلف، وهو يملك بلا شك القدرة على ذلك لو تركته الولايات المتحدة في النصف قرن الأخير يبني نهضته، ولم تسع جاهدة لضرب كل محاولة للوحدة، ولإجهاض كل مشروع للنهضة، ولتعطيل كل برنامج طموح للتقدم، ولتثبيت أركان الكيان الصهيوني ليقوم بدوره في احباط الجهود القومية لبناء الدولة العربية القادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الآمال المشروعة في الحرية والعدل والتقدم. ولن ينسى العرب - ولعل أميركا لا تنسى حتى تتعلم - ماحدث قبل نصف قرن حين رفضت أميركا السماح للبنك الدولي بتمويل السد العالي في مصر بكل ما كان يعنيه ذلك من رغبة في كسر ارادة التحرر ورفض مشروع النهوض.. وهي السياسة التي أدخلت واشنطن في صدام مع الأمة العربية التي تتوهم قبل ذلك ان الولايات المتحدة يمكن ان تكون الحليف القوي الذي يساعدها في معركة البناء والنهضة، فإذا بها تتخلى عن كل المثل العليا التي كانت تبشر بها لكي تكون فقط الامبراطورية التي ترث الاستعمار القديم الذي مالت شمسه للغروب. ولن ينسى العرب - ويجب ألا ينسوا - كيف وقفت الولايات المتحدة الأميركية بعد حرب 73 لكي تجهض آثارها، ولكي تفك تحالف أكتوبر بين دول المواجهة ودول المساندة.. هذا المحور الذي حقق النصر العسكري واستعاد البترول العربي وأكد الإرادة العربية التي اكتشفت انها تملك كل المؤهلات لبناء قوة دولية يحترمها العالم وتستطيع أن تحقق الآمال المؤجلة. وبالفعل تم اجهاض النتائج العسكرية في كامب ديفيد، وتم الاتفاق لاستعادة السيطرة على سوق البترول، وتم استدراج العرب إلى سلسلة من الحروب الأهلية في لبنان والمغرب العربي انتهت بكارثة حرب الخليج الثانية بكل نتائجها المأساوية على العالم العربي. وتدرك الشعوب العربية أن نظمها السياسية بحاجة الى تعديلات جذرية لتضمن حقوق الإنسان وتفتح كل أبواب الحرية لمواطنيها، ولكنها تحمل الولايات المتحدة نصيبها من المسئولية عن هذا الواقع. فلولا الخطر الصهيوني المدعوم أميركيا لما استطاعت نظم عربية كثيرة ان تفرض القيود على الحريات، ولما كانت حالة الطوارئ هي الحالة الدائرة في معظم العالم العربي استعدادا لمواجهة العدو المتربص دائما للعدوان. ولولا الدعم الأميركي لنظم عربية سحقت حقوق الإنسان لما استطاعت الصمود في وجه الزمن وحركة التاريخ ومطالب الناس وجهود المثقفين الذين دفعوا الثمن غاليا. وتدرك الشعوب العربية ان حربها ضد الارهاب هي ضرورة حياة.. سواء في ذلك حربها ضد الارهاب الصهيوني الاسرائيلي، أو الارهاب الذي يحاول كذبا أن يتحدث باسم الاسلام. ولا يستطيع العرب أبدا ان ينسوا الدور الأميركي في دعم هذا الارهاب المسلط عليهم. وإذا كان الدعم الأميركي الاسرائيلي لم يعد بحاجة الى المزيد من الحديث، فإننا لا ينبغي أن نمل من الحديث عن الدور الأميركي والمسئولية عن هذا الارهاب الآخر الذي يحاول ان يلبس ثوب الاسلام. وبقدر ما نرفض الادعاءات الأميركية بأن ما تفعله اسرائيل بالشعب الفلسطيني هو دفاع عن النفس أو أن المقاومة الوطنية الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي ليست مشروعة، بقدر ما نرفض المحاولات التي تحمل العرب والمسلمين مسئولية الارهاب في العالم قبل 11 سبتمبر وبعده، فالعرب كانوا أول ضحايا هذا النوع من الارهاب.. استخدمته أميركا في البداية لضرب المشروع القومي، ثم استخدمته في صراعها مع السوفييت، ثم سلطته على الدول العربية في صراعها الجديد لتأكيد انفرادها بحكم العالم والسيطرة عليه. إن الذين شاركوا في ضربة 11 سبتمبر لم يكونوا مبعوثين رسميين للسعودية أو مصر، ولا ممثلين للجامعة العربية، ولا ناطقين باسم الشعوب العربية، بل كانوا ببساطة خريجين في مدرسة الارهاب التي افتتحتها الولايات المتحدة بنفسها في افغانستان ولم تعرف كيف تغلقها حين انتهت حاجتها اليها. أو لم تفكر في ذلك! والثقافة العربية الاسلامية ليست ثقافة تدعو للارهاب كما تزعم أميركا الآن، ولكنها ثقافة علمت الدنيا كلها معنى التسامح، والازهر الشريف والجامعات الاسلامية لم تكن يوما منابر للدعوات الارهابية بل كانت مدارس تنشر الاعتدال وتواجه الدعوات التي كانت محل رعاية أميركا وهي تقتل وتنسف وتدمر من الجزائر الى القاهرة ثم تجد أميركا وأوروبا الملجأ والملاذ لزعمائها المطلوبين للعدالة. والنظم العربية تحتاج لإصلاحات كثيرة طالما نادت بها الشعوب العربية، ولكنها تحتاج للإصلاح الذي يقوي إرادة المقاومة ويحشد الجهود للنهضة وليس الاصلاح الذي تريده أميركا طريقا لشرق أوسط جديد تحتل فيه اسرائيل مقعد القيادة، وتوضع فيه كل الثروات العربية تحت الوصاية الأميركية. إن شعوب العالم كلها تحاول ان تتجنب الكارثة، وتحاول لجم الحماقة الاميركية ومع ذلك تستمر واشنطن في مخططها، وتريد من العرب ان يشاركوها في تدمير العراق، وأن يقروا بأنه يمثل خطرا عليهم وعلى العالم كله حتى وهو يفتح أراضيه كلها للتفتيش وبعد 11 عاما من الحصار والتجويع.. بينما تتخذ الإدارة الأميركية الاجراءات لمنح اسرائيل معونة عاجلة قدرها أربعة مليارات من الدولارات لكي يتمكن شارون من مواصلة مذبحته، مع عشرة مليارات اخرى كقروض ميسرة تتخطى بها حكومة السفاحين في تل أبيب الأزمة، وفي نفس الوقت تعلن المصادر الاسرائيلية عن مشروع جديد لانشاء مفاعل نووي جديد يتكلف مليارين من الدولارات، وتنهال العروض على الكيان الصهيوني لمده بالمزيد من أحدث ما في ترسانة الأسلحة الأميركية والأوروبية بدعوى انه يتعرض للتهديد! وقبل أيام وقف وزير الخارجية البريطاني جاك سترو يعترف ان الاستعمار البريطاني أورث العالم معظم المشاكل التي يواجهها، ويؤكد مسئولية بلاده عن مأساة فلسطين وعن النزاع الهندي الباكستاني وعن الحدود (الغربية!!) للعراق التي يبدو ان بلاده تريد أن تشارك أميركا الآن في ضربه واحتلاله لإصلاح هذه الحدود بطريقة أو بأخرى. فهل سننتظر خمسين عاما لنسمع المسئولين الأميركيين يعترفون بأخطائهم تجاه العالم العربي.. وكم من الدماء ستسيل وكم من الضحايا سيسقطون وأي ثمن سيتم دفعه قبل أن تصل القوة الأعظم الى لحظة الحقيقة؟! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية