الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 تعتبر مرحلة التقييم لدى مختلف المؤسسات الجادة هي المرحلة الاهم من مراحل العمل المختلفة ويعتبر الحرص على استيفاء شروط الجودة في الاعمال المنفذة هو الحد الفاصل بين العمل المسئول الذي يمتلك مواصفات النجاح، وبين العمل الرديء الذي يحجم اصحابه عن التعرف على نتائجه الاخيرة، وعن حقيقة الانطباع الذي تكون لدى الفئة المتابعة للعمل في صورته النهائية. ومن شأن التقييم انه يكشف العيوب والاخطاء وهو الامر الذي تحاول الفئة المنخفضة الطموح والدافعية ان تمنع حدوثه، مما يقدم دليلاً عملياً على ضعف الانتماء للمؤسسة التي تعمل بها تلك الفئة، وللمهنة التي تؤديها من خلالها. والملفت ان كل مؤسسة جادة وطموحة تنظر الى مرحلة التقييم على انها المحطة الاكثر اهمية بين المحطات التي يمر بها العمل، ولذلك تتعامل معها بمنتهى الشفافية والالتزام نتيجة لاقتناعها الشديد بأن الطريق الى التميّز يبدأ بعد الوقوف على نتائج العمل، وقراءة ردود افعال الفئة المستفيدة منه. شذّ عن هذه القاعدة الصحيحة محطاتنا التلفزيونية ذات البريق الخلاب، والصوت المدوي، والتي امتلكت اخطر المنابر الاعلامية، وسحبت البساط من المذياع والكتاب والصحيفة، وهيمنت على الساعات والاوقات. وتناغماً مع المبدأ الدفاعي الشهير: «فرّ من المجذوم فرارك من الاسد، اسقط القائمون على الجهاز المرئي الامر بالفرار على مسألة فتح المجال للجمهور للتصويت على تلك البرامج المكدسة في مكتبات المحطات التلفزيونية التي طبقت عليها حراسة مشددة بدءاً من مرحلة الاعداد، وانتهاء بمرحلة عرضها على الجمهور، وذلك حتى لا يصل اي صوت ناقد من شأنه ان يقطع الطريق على المزيد من تلك الاعمال الهزيلة، ولكي تبقى آلة العمل لديهم تجتر المزيد من الافكار التي اكل الدهر عليها وشرب، ولكن يأبى القائمون على صناعة ثقافة الفرجة ان يعترفوا ان الصورة التي اصبحت تظهر عليها غالبية اعمالهم لم تعد قادرة على ستر العيوب الموضوعية والفنية التي يستطيع المشاهد البسيط بحكم تراكم الخبرة ان يلحظها بدون كثير جهد! والغريب ان النقد الوحيد الذي يصل اليهم يصدر من اندادهم وأقرانهم وأشباههم من الممثلين والمخرجين وكم سجّلَتْ المطبوعات الاسبوعية من مشادّات كلامية وتهم متبادلة بين اعضاء هذه المهنة، بينما كان من اللائق ان يوجه النقد الى العمل ذاته، وليس الى الشخص المنفذ للعمل لو كان هناك نوع من المصداقية لدى عموم هذه الفئة التي ظنت ان عروضها الفنية سوف تشفع لها اذا ما خرجت عن حدود اللباقة والادب. ولعلّ ابلغ من صوّر هذه الطباع الشرسة، وهذه الرغبة في ممارسة هواية الركل بالكلمات ضد الغريم والخصم، بيت شعري شهير قاله احد العرب في ابنه الحاد الطباع. ان بني ضرجوني بالدم شنشنة اعرفها من اخزم وقصة هذا المثل ان رجلا من العرب ابتلي بولد عاق عديم المروءة لا يبالي بنصائح ابيه، ولا يمتنع عن ايذائه بالكلمة والفعل، وكان اسمه «أخزم». وبعد ان كبر (اخزم) تزوج واصبح له ابناء ورثوا عنه القسوة والغلظة. وفي يوم من الايام كان والد اخزم جالساً وحوله ابناء اخزم الصغار فاذا بهم يثورون عليه، ويضرجونه بالدم. حينها قال ذلك الاب المبتلى بابن حاد الطباع وأحفاد اسوأ من ابيهم ذلك البيت الشهير. ان بني ضرجوني بالدم شنشنة اعرفها من أخزم ان الشيء المنتظر من اجل تحسين صورة الاعمال المعروضة على الشاشات التلفزيونية ان يمارس نقد موضوعي بين جمهور المتلقين للخدمة الاعلامية وبين القائمين على تلك العروض. وتعد فكرة انشاء موقع خاص بكل عمل على شبكة الانترنت هي الخيار المناسب للاستماع الى ملاحظات الجمهور والى آرائهم، وحتى يتسنى تطوير تلك الاعمال، وايصال رسالتها الى الناس هذا اذا كان هناك ثمة رسالة جادة يمكن لهذه الفئة ان توصّلها الى المجتمع!