الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 بغض النظر عن حقيقة بواعث الأحداث الأخيرة في معان يبقى ثابتاً أن المدينة الاردنية كرّست لنفسها عبر تراكمات رمادية صورة بلدة جموح عصية على الترويض إن لم تكن صورة بؤرة نارية قابلة للالتهاب. هكذا انزلقت المدينة الأردنية الى المخيلة العربية منذ «هبة نيسان» في العام 1989 عندما شهدت احتجاجات صاخبة عصفت بحكومة زيد الرفاعي. الصورة تعززت اكثر فيما بات يُعرف بـ «انتفاضة الخبز» عام 1998 فكانت بداية العد التنازلي لحكومة عبدالكريم الكباريتي. ها هي المدينة نفسها تشهد ارتال مركبات للجند. معان ليست استثناء. في الذاكرة العربية ثمة مدن من هذا الطراز الذي يبدو ـ لأسباب متباينة ـ نزاعاً للقلاقل عصياً على السلطات وغير قابل للترويض الأمني. ربما يكون وجود معان في الجنوب الاردني زاد من جموح المدينة. من يتأمل المشهد العربي يدرك دون عناء الفصام الذي يبلغ درجة المواجهة المسلحة بين الشمال والجنوب في عدد غير قليل من الاقطار العربية. معظم الدول العربية مسكونة بعقدة الشمال والجنوب. الجنوب يشكو دائما من تجاهل الشمال واستئثاره بخيرات البلاد وتكديس مصادر الثروة. قد يكون السودان انموذجا صارخاً في ظل الحرب الأهلية المزمنة لكنه ليس وحيداً. اليمن كذلك شهد حرب الشمال والجنوب. رغم أن الشمال العراقي يقود تمرداً مسلحاً على بغداد الا ان الجنوب ظل كذلك محوراً عصياً على السلطة المركزية وجيباً للخارجين عليها. الجنوب اللبناني يطالب بيروت بحقوق مستحقة في البنية الحياتية الاساسية. مشاعر الصعيد تجاه القاهرة ليست أقل مرارة. الجزائر تعاني شروخات حادة دامية احيانا مع عروش الجنوب. المغرب مثل تونس لم ينج من عقدة الشمال والجنوب. كل الاقطار العربية ضحية الصراع بين الشمال والجنوب لكنها ليست الوحيدة التي تعاني داخليا من هذه العقدة. هناك دول كبرى مسكونة بهذه العقدة بمعايير الازمة العربية نفسها. من ابرز تلك الدول ايطاليا. اميركا نفسها لاتزال تواجه عقدتها الأولى المتمثلة في حرب الشمال والجنوب. ليست كل المدن العربية التي سكنت الذاكرة القومية باعتبارها بؤراً للتمرد والعصيان واقعة بالضرورة في الحيز الجغرافي الجنوبي لكنها تنتهي حتما للجنوب السياسي. ربما اكتسبت مدينة عطبرة شهرة خارج السودان باعتبارها مدينة من هذا الطراز النزاع للعصيان إذ كانت تتمتع بثقل مميز في حركة المجتمع المدني واكتسبت ذلك الثقل باعتبارها معقلا لنقابة عمال السكك الحديدية ذات القاعدة العمالية الاوسع. لما اتعبت عطبرة نظام الجنرال جعفر نميري لجأ إلى تفكيك محاور شبكة السكك الحديدية التي كانت تتمركز في عطبرة وأدى ذلك التفكيك الى تدهور خدمات القطارات بأسرها وأذى الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة التي شاخت في شبابها وهي واقفة دون الاستسلام للترويض والانكسار. المدن العربية العصية التي سكنت المخيلة القومية ليست كلها على نسق معان ذات نوبات تمردية. بعضها نهض مرة واحدة ربما في وجه السلطة وبعضها تعرض لحملة تأديبية قاسية على نحو دموي. في عداد هذه المدن تبرز حماة السورية التي تعرضت لحملة دموية مدمرة في الربع الأول من العام 1982 بعدما حاولت تشكيل بؤرة عصية على دمشق. رغم طول انقضاء الزمان وصغر حجم الحدثين إلا أن «كفر الدوار» و«كمشيش» لم تغادرا الذاكرة العربية الراصدة لملف الثورة الناصرية على وجه التحديد. كفر الدوار تشكل أول مسرح للصدام داخل حوش الثورة اذ انقض جهاز الأمن على قاعدة عمالية وسقط قتيلان حفرا اسميهما على جدار اليسار المصري هما «خميس» و«البقري» في كمشيش سقط قتيل في مواجهة دامية بين الفلاحين ورموز الاقطاع. رغم الهدوء الذي يلتبس الضالع إلا ان المدينة الواقعة على تخوم الشمال والجنوب في اليمن لاتزال مصدر قلق خفي لدى السلطة المركزية في صنعاء. الضالع لم تبرأ بعد من انتمائها الجيوليتيكي الجنوبي فهي مدينة عصية منذ الاستعمار. كعادتها تمثل بغداد انموذجا فاقعا فهي موزعة اليقظة تجاه الشمال والجنوب فلديها أكثر من مدينة عصية تدرك أهمية تشديد القبضة الامنية عليها كالموصل في الشمال والاهواز في الجنوب. المتأمل للمشهد العربي يدرك حتما في هذه المعادلة غير المتوازية علاقة جدلية بين الثروة والثورة.