السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 احصائيات السكان التي تصدرها المنظمات العالمية تضع بين أيدينا هذه الحقيقة: المجتمع العربي مجتمع شاب لأن نسبة الشباب وصغار السن فيه تتجاوز الـ 40%، وهذه حقيقة تضعنا أمام اشكالية وأمام تحد في آن معاً. أما الاشكالية فهي عدم قدرتنا على استيعاب هؤلاء والاستماع الى صوتهم، واما التحدي فهو الاستعداد لكل الآثار التي تفرزها شريحة الشباب في كل مجتمع، ذلك انها الشريحة الأكبر التي تحتاج الى رعاية خاصة، واستعداد كبير وبرامج تنمية واستيعاب على قدر جيد من الاعداد والدراسة. نحن إذن أمام أعداد كبيرة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و30 عاماً، وهؤلاء يندرجون تحت فئات معروفة مهنياً، فهم إما طلاب مدارس أو جامعات أو موظفو حكومة وقطاع خاص، وهم إما متزوجون أو عزاب، واقتصادياً فهؤلاء إما أن يكونوا من أبناء الطبقات الثرية الغنية وإما ان يندرجوا تحت قوائم متوسطي الدخل أو ذوي الدخل المحدود. ولا ننكر ان هناك العديد من البرامج الحكومية وحتى بعض الأهلية لاستيعاب هؤلاء والتواصل معهم وتقديم بعض الخدمات والبرامج كمساعدات الاسكان والزواج وبرامج توطين الوظائف، والتدريب والبعثات و... الخ. لكن هناك مطالب أخرى كثيرة يناقشها هؤلاء الشباب في مجالسهم، ويعلنونها بصوت عال دون ان يستمع اليهم أحد، مع ان ما يناقشونه أو يطالبون به من صميم حقوقهم، وما قد يعتبر مؤشراً خطيراً لأزمات قادمة إذا تم تجاهل تلك المطالب أو الملاحظات أو الاحتجاجات التي تدور في مجالس أولئك الشباب. إن المجتمع يتعامل مع هؤلاء بشكل أبوي لا يخرج عن دور الوصاية والرعاية، فالدولة توفر لهم التعليم والوظيفة والبعثات الدراسية والتدريب وقروض الزواج والاسكان ومعدلات الرواتب العالية و.... الخ، معتبرة ان ذلك يكفي، وبأنها حلّت كل اشكالاتهم وأزماتهم. نعم، ان الدولة تفعل ذلك وأكثر، وتحاول أن تحل كل الأزمات، لكن تلك نصف الحقيقة وليست كلها! يحتاج هؤلاء الشباب لمن يستمع اليهم، لمن يعرف دقائق وتفاصيل أفكارهم وآرائهم في كل ما يعيشونه وما يواجهونه وما يتلقونه عبر مناهج التعليم، وبرامج الإعلام، وآليات العمل الوظيفية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، ومنظومة البيروقراطية التي يواجهونها عند اتمام معاملاتهم، ومظاهر التمييز التي يعانونها ويعايشونها ويسمعون قصصها وحكاياتها بين ابن فلان وابن علان، فهم ـ أي هؤلاء الشباب ـ يعرفون دقائق وتفاصيل مجتمعهم بشكل مذهل ويعرفون أفراده وعلاقاتهم وارتباطاتهم المصلحية. إنهم حينما يجلسون على مقاهيهم وفي مجالسهم المنزلية فإنهم يستعرضون حقائق الواقع بشكل مذهل عبر تساؤلات مشروعة حول: لماذا أخذ ابن فلان أكثر مما أخذ غيره؟ ولماذا يحق لابن علان ان يتمتع بما لا يستطيع بقية الشباب ان يحصل عليه؟ وكيف توظف ذلك؟ وبأي طريقة ترقى ذاك؟ ويبدأون في عمل احصائيات لا تنتهي وأرقام لا تدري كيف حصلوا عليها؟ مع سرد وقائع عن ممارسات كثيرة تثير غضبهم واحتجاجهم حتى انك لا تحتاج الى وقت طويل لتكتشف انهم محللون جيدون للشأن المحلي الذي يدور حولهم، ونقاد ممتازون لمجمل الأوضاع التي تدور في مجتمعهم، وسيكون طبيعياً ان أنت أنصت جيداً ان تستمع الى أحدهم يقول بغضب مشوب بالسخرية: «ان الإعلام والجرائد والتلفزيونات تناقش كل الأمور المهمة والتافهة إلا مشاكلنا، وتستمع الى كل الاصوات إلا أصواتنا، نحن لدينا مشاكل وأزمات ونريد ان يستمع الينا أحد، فلماذا يتجاهلون وجودنا كأننا غير موجودين؟!». أحد الشباب قال لباحثة خليجية أعدت كتاباً حول «تحديات الجيل الجديد»: «أكملت دراستي الثانوية، وأتذكر ان أيامي في المدرسة كانت سهلة، كل شيء كان متوافراً لي، وكان هذا جزءاً من نظام الرعاية العامة الذي قدمته الحكومة، لكن هذا النظام لم يستمر، فأيام الوفرة انتهت حينما اندلعت حرب الخليج عام 1991، إن الأمور تغيرت، والحديث عن المشاكل الاقتصادية يتردد، مع انني لا أفهم منطق الاقتصاد أبداً، لكنني اعاني في مكان عملي من التمييز بيني وبين الأجانب، فهؤلاء يفضلون لأن رواتبهم أقل واجادتهم للانجليزية أفضل.. إن الفضائيات ومحلات البيتزا والهامبورغر قد أفقدتنا البساطة وروابط العائلة والأمان و....» الشباب أمام تحديات ويحتاجون لمن يستمع إليهم بحرص واخلاص!