السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 كثيرة هي الاوراق التي تحولت بمجرد الانتهاء من إلقائها إلى برنامج عمل، واضح المعالم، محدد النقاط، متسلسل الافكار، متواصل الحلقات، ولكن قليلة هي الجلسات التي رسمت منهاجاً عملياً واضحاً وسهلاً وعميقاً، ذا دلالات وأبعاد اجتماعية واقتصادية، وذا نظرة استشرافية بعيدة لا يستطيع ادراكها الا العارفون ببواطن الامور. ويبدو للمتأمل والمتابع ان الجلسات الرمضانية التي اختطها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وجعلها من ضمن أعماله، تلك الجلسات الحميمية التي كللتها الشفافية بكل ما تحمله من معنى وعمق، مرة مع القطاع الاقتصادي بهمومه وآماله، وثانية مع رجال الاعلام والصحافة، وثالثة مع مديري الدوائر والقياديين من شباب الوطن، ورابعة مع علماء الاسلام، انما تمثل رسالة ممنهجة عميقة الدلالات والابعاد، وهي رسالة للاشخاص العاجزين الذين يقفون عائقاً أمام دورة التطور والعمل والتواصل، متشبثين بعقارب الساعة، معتقدين ان التجديد والتحديث الذي يطال الحياة اليومية انما هو انفلات، متناسين في الوقت نفسه ان الثبات موات، وان الحركة والتطور تفاعل وحياة. ولم يقف سموه في خطابه عندما التقى مديري الدوائر في دبي عند حدود العاطفة وشحن المشاعر ودغدغة العواطف واستثارتها، بل اتخذ من العقل مدخلاً في تفاصيل منهجه وطروحاته ورؤاه، فالزمن ودورات الايام مقياس للحكمة وتكوينها والاسترشاد بها، فالحكماء لا يتعلمون من العاطفة، بل من العقل، الذي يلاحظ، ويستشف، ويقيس، ويحسب، ويوازن ويكيل، ويسترشد، ويدرك، ويحاسب، وكل ذلك لا يتكون اعتباطاً دون تجربة، فمحصلة العقل هي التجربة، وأصل التجربة هو الادراك من خلال دورة الحياة المتواصلة بالحركة والتجديد والتحديث والاستبدال للوصول الى قناعات واضحة بأهمية الاشياء. وسموه عندما يستنطق الايام ودورة الزمن وشواهده يعتمد على المادي في ذلك، فدورة الايام هي عجلة متحركة لا تعتمد الثبات والتوقف، بل التواصل والبناء والفعل والحركة، وترسم بصورة واضحة ما يعد ويخطط ويستشف من رؤى وأبعاد، وكل ذلك لا يتم إلا ضمن برامج ومناهج وأفكار وخطط لا يثبتها برهان القلب والعاطفة، بل برهان العقل والبناء، ولا تتحقق إلا مع دورة الايام التي لا تخطئ ولا تكذب ولا تقول إلا الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، فسموه يقف ضمن منهج عملي ليدلي ببرهانه الذي ستثبته الايام بدقائقها وتواصلها وحركتها. أليس هو من قال: وللزمن دوره على من يشهده ولي يعيش ايشوف والدنيا دُول ومن يتابع فكر سمو الشيخ محمد بن راشد ورؤيته البعيدة منذ ان بدأ ثورة التغيير والتحديث على العادي والتقليدي يدرك بوضوح ذاك النهج المتواصل الذي كثيراً ما وجد معارضة من فريق تقليدي لم يستطع مواكبة التحدي، وهذا الطرح وتلك الرؤية التي تحدث عنها سموه كثيراً وعمل على تحقيقها، كانت واحدة من الرؤى الاكثر أهمية على مستوى الوطن العربي، فقد طرح سموه أثناء مشاركته وحضوره المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في العام 2001، تلك الرؤية بكل شفافية ووضوح. وقد كان سموه صريحاً كعادته وعميقاً في تحديد منهجه، حيث رسم بشكل مثير مواصفات القائد العصري الذي تتفاعل داخله القدرة على المبادرة والمبادأة والانجاز، ومزاوجتها بالقدرة على تحفيز الابداع، وارساء ثقافة جديدة غائبة عن مجتمعنا العربي ألا وهي ثقافة المحاسبة والمساءلة، مما يتيح ايجاد مناخ صحي يطلق العنان لثورات الابداع. وسموه عندما يطرح تلك الافكار والرؤى لا يعتمد على ما يولّده اليوم من أحداث، بل يستشرف آفاقاً أخرى، فهو يشير الى ان قطار العولمة يسير بسرعة نحو الامام، ومن سيسقط منه او يتخلف عنه سيكون من الصعب جداً ان يلحق به. فالتحول الى اعتماد النظام الاقتصادي العالمي الجديد والسير به في الطليعة لا يتطلب منا اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة فقط، بل الشروع في التخطيط والتنفيذ الفوري، لأن قطار المعلوماتية يسير بسرعة فائقة ولا يسعنا الانتظار طويلاً في محطات الصمت والتجمد متذرعين بأسباب ربما تكون واهية. ولا يقف سموه أمام تلك الذرائع، بل يتجاوزها الى ما هو أبعد من موضع القدم، ويذهب أكثر ببعيد مفنداً تردد أولئك عن خوض غمار التحدي او استغلال ما فيه مصلحتهم، واقفاً عند الاسباب التي دعتهم الى الاصطفاف في طابور التردد والانتظار.