السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 الآن ـ فقط الآن ـ بعد انقضاء 14 شهراً على تفجيرات سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة تأمر ادارة بوش بتشكيل لجنة للتحقيق وتقصي الحقائق في تلك الاحداث الزلزالية. واذا كان هذا يعني بالضرورة انه ليس في حوزة الادارة الاميركية حتى هذه اللحظة اي سجل موثق للحقائق بشأن احداث سبتمبر ومن المسئول او المسئولون عنها تدبيراً وتنفيذا فعلى اي اساس اتخذت اجراءات عقابية بشأن افراد ومنظمات ومؤسسات ودول داخل الاراضي الاميركية وخارجها.. من بينها شن حرب شاملة وتجميد اموال وتنفيذ اغتيالات شخصية؟ ربما يكون تنظيم «القاعدة» بزعامة اسامة بن لادن هو فعلا الجهة التي دبرت ونفذت عمليات خطف طائرات مدنية وضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون «وزارة الدفاع» في واشنطن هذا على الاقل ما يقول به كل قادة السلطة في الولايات المتحدة وتردده وسائل الاعلام الاميركية كما لو كان حكما لا يقبل التشكك لكن مع ذلك يبقى ابن لادن وقاده تنظيم القاعدة حتى هذه اللحظة مجرد متهمين أو مشتبه بهم يفترض فيهم البراءة بالمعنى القانوني الى ان يثبت العكس. ولن يثبت العكس إلا عبر اجراء قضائي في اطار محاكمة نزيهة يتوفر للمتهم فيه كل وسائل الدفاع عن النفس. الآن نشهد تطوراً مستحدثاً في سياق «الحرب الاميركية ضد الارهاب العالمي» فقد عمدت الادارة الاميركية الى توسيع دائرة الاشتباه لتشمل دولاً عربية ترتبط تقليديا وتاريخيا بعلاقة صداقة مع الولايات المتحدة. ومن خلال تسريبات صحفية ذات دلالة تتبعها مباشرة تصريحات ماكرة من مسئولي البيت الابيض تنطوي على غموض متعمد تدمغ حكومات عربية معينة بأنها في افضل الاحوال لاتبذل ما يكفي من الجهود في المشاركة مع واشنطن في «مكافحة الارهاب» وفي اسوأها انها تواصل تقديم مساعدات مالية الى شبكات ارهابية. ورغم ان مثل هذا الاتهام جائر ولا يستند الى اي دليل موثوق به إلا ان الحكومات العربية عامة ظلت منذ احداث سبتمبر تتغاضى عن مطالبة الادارة الاميركية بأي ادلة قانونية في سياق مشاركتها في الحملة الاميركية العالمية ضد الارهاب. وربما يتعجب بعض الناس الآن اذا قلنا بعد مرور اكثر من عام على تفجيرات سبتمبر ان التسعة عشر طيارا المشتبه في أنهم نفذوا عمليات التفجير تلك ربما لا يكونون عربا.. وربما لا يكونون من كوادر «القاعدة» فالقانون لم يقل كلمته بعد وعندما تتحرش الادارة الاميركية ببعض الدول العربية لاتهامها بالتقصير في هذا الصدد فإن على هذه الدول ان تطالب واشنطن بالدليل القانوني. لقد شنت الولايات المتحدة حربا ضد افغانستان لسحق تنظيم «القاعدة» ونظام طالبان الذي كان يستضيفه على الارض الافغانية لكن لم تنهض حكومة عربية أو اسلامية واحدة لتقول للادارة الاميركية اين الدليل القانوني. اما اشرطة الفيديو والاشرطة الصوتية المنسوبة الى اسامة بن لادن وآخرين من تنظيم «القاعدة» فإنها لا يعتد بها من المنظور القانوني، ولو كانت صالحة للصمود القانوني امام اي محكمة لما تأخرت السلطات الاميركية في عقد محاكمة غيابية لتسجيل ادانة قضائية ناجزة ضد ابن لادن وصحبه. وحتى لو افترضنا صحة محتويات الاشرطة وان جماعة ابن لادن بالتالي «اقروا» بأنهم هم الجهة المدبرة والمنفذة لتفجيرات سبتمبر ـ والاشرطة لا تتضمن اقراراً صريحاَ تماماَ ـ فانهم ربما يكونون قد عمدوا الى هذا الاقرار من قبيل التبجح فينسبون الى انفسهم حادثة من فعل غيرهم لاغراض الدعاية السياسية وارعاب الطرف الآخر ليس إلا. وقبل الحرب، في افغانستان وبعدها واثناءها ظلت الحكومات العربية تتجاوب مع الادارة الاميركية في كل ما تطلب وتلفق وتختلق دون مطالبتها باقامة الحجة القانونية والادلة الناجزة. فقد جمدت اموال مؤسسات خيرية اسلامية وجرت اعتقالات جماعية وفردية وتضاعف نشاط محاكم امن الدولة التي تتعامل مع المتهم كمجرم مدان قبل استجوابه او الاستماع اليه. ما الذي اذن يمنع واشنطن من ممارسة الابتزاز والمزيد من الابتزاز على الحكومات العربية؟ انه ابتزاز يهدف الى حمل الحكومات العربية على الاستجابة في ثلاثة محاور هي: تغيير مناهج التعليم الديني. المشاركة في الحرب الاميركية ضد العراق. الاعتراف باسرائيل (للذين لم يعترفوا بها بعد). هذه هي الاجندة غير المعلنة للحملة الاميركية على الارهاب.