السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 كشفت الهجمة الصهيونية الشرسة على الانتاج الدرامي «فارس بلا جواد» ثلاث نقاط من وجهة نظري في غاية الأهمية وأخشى أن يكون الفكر والعقل العربي قد غفل عنها. النقطة الأولى.. تتعلق بغياب واضح لاستراتيجية عربية جماعية في مجال الدعاية والاعلام من شأنها أن تواجه أساليب الدعاية الصهيونية التي تقف بالمرصاد لأي تحرك اعلامي عربي يمس من قريب أو بعيد الأفكار العنصرية للصهيونية، وفي تقديري أن هذا أمر يحتاج الى وقفة عربية متأنية ولست أدري من هو المعني بهذه الوقفة.. هل هو النظام الرسمي العربي بشكل عام أو التنظيم الاقليمي العربي الممثل في جامعة الدول العربية أو منظمات المجتمع المدني في الوطن العربي؟! في تصوري أنه طالما ترتبط القضية بصياغة الفكر والعقل العربي في مواجهة اعداء الأمة لاسيما الصهاينة داخل وخارج المنطقة العربية، فإن الأطراف الثلاثة منوطة بتحمل المسئولية حتى ولو كانت الجامعة العربية في النهاية تعبيرا عن توجهات النظام الرسمي وعليه يتعاظم دور منظمات المجتمع المدني لأنه يعبر بصدق عن نبض الشارع العربي من المحيط الى الخليج. غياب التخطيط ومن هنا تبرز مسألة التخطيط الاعلامي على المستوى القومي. بعبارة أخرى هل يجب أن يظل هذا التخطيط مهمة جهد فردي يمكن أن تبذله كل دولة عربية بمفردها أم يجب أن تتوحد كل الجهود لابراز خطورة المخططات الصهيونية الرامية الى تشويه صورة العرب والمسلمين ومن ثم كشف أهداف الدعاية الصهيونية خاصة تلك الموجودة في مراكز صنع القرار في العالم الغربي لاسيما في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية؟ وأعتقد أن التحرك يجب أن يكون على المستويين الفردي والجماعي وفي آن واحد.. لأن التحرك الفردي يعني الأخذ بزمام المبادرة في تقديم النموذج الاعلامي القادر على التحدي والمواجهة. وفي هذا المعنى أرى أن مسلسل «فارس بلا جواد» للفنان المبدع محمد صبحي سيظل مثالا واضحا على ذلك الجهد الفردي رغم أنه لم يكتمل عرضه بعد. وأقول في الوقت نفسه أن التحرك الجماعي ضرورة حتمية أيضا من خلال التفكير في انتاج عربي مشترك درامي أو غير درامي يصب في الاتجاه نفسه. وهنا اذا تم التنسيق العملي بين أجهزة الدعاية العربية - الرسمية وغير الرسمية - لاشك أننا سنصبح أمام مستوى يمكن الدول العربية من الصمود في وجه أساليب الدعاية الصهيونية مهما كان شكلها أو مصدرها أو صداها. النقطة الثانية.. تتعلق بأن التحرك الدعائي الصهيوني لاشك أنه يعرف طريقه من خلال استراتيجية ومنهج واضحين، وهو الأمر الذي يفتقده الجانب العربي ربما لأن العرب قد سقطوا منذ سنوات عديدة في «فخ» الانعزالية والتقسيم القطري (بضم القاف). وهكذا بات الحديث عن التوحد القومي والقومية العربية نوعا من الترف الفكري لدى بعض المثقفين العرب، هذا في وقت سبقنا غيرنا الى التوحد والاندماج السياسي والاقتصادي، والمثال الجلي على ذلك الدول الأوروبية التي أدركت أنها تعيش في عالم الكيانات العملاقة والتكتلات الكبرى القوية فكونت الاتحاد الأوروبي بالشكل الذي نحن العرب في حاجة ماسة اليه!! على أي حال انتهزت مؤسسات الدعاية الصهيونية فرصة اتجاه العرب الى الفكر الانعزالي منذ السبعينيات من القرن الماضي ولعبت على التناقضات العربية - العربية، بل وسارعت الى تضخيم هذه التناقضات وحرصت على مخاطبة الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة في محاولة لنقل صورة مشوهة عن العرب والمسلمين. وفي الوقت نفسه لم يهمل الاعلام الصهيوني الرأي العام في الوطن العربي فحرص على أن يوجه اليه - وبنفس الأسلوب - قناة فضائية ناطقة باللغة العربية، وهو أمر لم يفكر فيه العرب بشكل جماعي حتى الآن لمخاطبة الرأي العام الاسرائيلي الناطق باللغة العبرية، وفي اعتقادي أن ما يوجد حاليا على الساحة الاعلامية العربية ليس سوى تجارب فردية محدودة ورغم أنها مطلوبة إلا أن خطورة الفضائية الاسرائيلية أو بالأحرى الصهيونية أكبر من تأثير هذه التجارب الموجودة في قناة النيل الدولية والفضائية الفلسطينية وقناة المنار اللبنانية!! ديمقراطية مزاجية النقطة الثالثة.. تتعلق بحرية التعبير في الدول التي تطلق على نفسها أنها ديمقراطية وتحديدا الدول الأوروبية والولايات المتحدة وهي في ذات الوقت مسرح الصراع الاعلامي العربي الصهيوني. فلا خلاف على أن لدى هذه الدول ميراثا ديمقراطيا لا يمكن إنكاره، لكن من الملاحظ أن هذه المجتمعات ليست ديمقراطية في كل الأوقات!! بعبارة أخرى هي دول ديمقراطية في حالات وغير ديمقراطية على الاطلاق في حالات أخرى!! كيف ذلك؟ تحت تأثير الدعاية الصهيونية نجدهم يهاجمون «فارس بلا جواد» مثلا رغم أنه ناطق باللغة العربية ولم تتم مشاهدته بشكل كامل، ويصفونه بأنه يحث على الكراهية ومعاداة السامية ويتناسون أن مثل هذه الأعمال هي تعبير عن وجهة نظر وهي تتصل مباشرة بقيمة أساسية في الممارسة الديمقراطية هي حرية الرأي والفكر وهي أمر من المفترض أن تلقى قبولا في المجتمعات الديمقراطية. ولكن لماذا يهاجمونها ويضغطون على الدول العربية لوقف أو منع عرضه؟! أليس هذا نتاجا لتأثير الدعاية المعادية للعرب؟! على الجانب الآخر عندما يُهاجم الاسلام والنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وعندما تتعرض الحضارة العربية والاسلامية لحملات التشويه، لا تنطق أبواق الدعاية في الدول الديمقراطية بأي معارضة زاعمة أنها تأتي - أي الهجوم على العرب والمسلمين - في اطار حرية التعبير المكفولة في الديمقراطيات الغربية!! ان هذا التناقض يبدو واضحا دون أن نجد من يبرزه ولا يكشف مقصده وأعني بذلك مؤسسات الاعلام العربي، بل على العكس تترك أجهزة الدعاية الصهيونية تبث سمومها بلا رادع أو معارض!! أليس هذا أمرا في غاية الخطورة ويحتاج الى وقفة عربية جماعية خاصة على مستوى الاعلام القومي؟! وأتصور أن أكثر الأفكار الدعائية التي تستند اليها الدعاية الصهيونية هي فكرة «معاداة السامية» حتى أصبحت فكرة صهيونية مسلطة على العقل والفكر في المجتمعات الغربية. والسؤال.. أليس العرب ساميين تاريخيا ودينيا؟! وهل هناك من يعادي أصوله وجذوره؟! والاجابة.. نعم إن العرب ساميون أما الذين يتهمون معارضيهم بمعاداة السامية فليسوا سوى فروع مارقة متمردة على التاريخ والدين!! إذن إن الصهاينة من حيث الواقع هم الأكثر معاداة للسامية إذا أردنا الحقيقة.. ومن هنا تبرز أهمية كشف زيف ما يدعيه الصهاينة واليهود المتعصبون في داخل وخارج اسرائيل وهي مهمة مؤسسات الاعلام العربي. وخلاصة القول.. إن الحملة على «فارس بلا جواد» فرصة لكي يفيق الاعلام الجماعي العربي من سباته ويتحرك في الاتجاه الصحيح لمواجهة مباشرة مع أساليب الاعلام والدعاية الصهيونية التي لن تكل في البحث عن كل ما يشوه صورة العرب والمسلمين وعموما حتى يتم ذلك ستظل التجارب الفردية في عالمنا العربي هي التي تتحمل مسئولية المواجهة حتى ولو كان بأيدي فارس بلا جواد، وأحسب أن المرة المقبلة سيجد الفارس العربي جواده الضائع.. دعونا ننتظر. ـ كاتب واعلامي مصري