السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 لطالما تذرع العرب بأن النظام الدولي قد صيغ لأكثر من مرة، كما حدث بعد الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن الماضي، بمعزل عن إرادتهم. الأمر الذي ألحق بقضاياهم خسائر جسيمة وأورثهم هموما ثقيلة مازال بعضها يؤرق حياتهم الى يومنا هذا. ومع ذلك، أدرك العرب بأن نظام القطبية الثنائية كان بالمعنى النسبي أكثر مواتاة لأوضاعهم.. فقد تهيأت لهم في اطاره حالة دولية منحتهم هامشا للمناورة والحركة الذاتية، وذلك مع وجود حليف قوي أمكنهم اللوذ به وطلب نصرته في ساعات العسرة.. هذا الإدراك هو الذي حفز قوى عربية كثيرة رسمية وشعبية للترحم على النظام الآفل بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، والتحرق الى لحظة دولية يسترد فيها العالم بعض خصائص أزمنة توازن القوى سواء تم ذلك عبر قطبية تعددية أو ثنائية. ويبدو أن المفاوضات المريرة والمعمقة التي شهدتها الأجواء الدولية، لا سيما بين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن بخصوص مضمون القرار 1441، قدمت نموذجا واعدا على طريق التصدي لمخاطر الانفراد الأميركي بقمة النظام الدولي. فبعد تنحية بعض التفاصيل نلاحظ أن محور واشنطن - لندن راح يسعى لشرعنة استخدام القوة في العلاقات الدولية تحت شعار الحرب الاستباقية أو الوقائية الإجهاضية، وتكريس المعايير المزدوجة في معالجة القضايا المتماثلة، والاستخفاف بمبدأ السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول والشعوب، وتجويف قضية الاستقلال الوطني للدول المستضعفة أو الأقل شأنا على سلم المكانة الدولية.. ومؤدى ذلك كله ومثله، تحويل الأمم المتحدة والتنظيمات الدولية بعامة الى مطية لتحقيق مطامع الأقوياء ومطامحهم، والقضاء على التراكم القانوني الحقوقي الدولي الذي كونته الخبرات الإنسانية بشق الأنفس على مدار قرون كثيرة. لا نعرف كل تفصيلات عملية التفاوض الممتد حول القرار 1441، لكن السياق العام لهذه العملية وما نضح عن تفاعلاتها بشكل علني، يكفي للاقتناع بأنها كانت تتعلق بمسار النظام الدولي ومنظورات عواصم القوى الكبرى لمستقبل العلاقات الدولية. وانطلاقا من هذه القناعة نزعم بأن التدافع حول صيغة القرار إنما تأتت من كونها نموذجا سوف يؤسس لما بعده. وفي هذا السياق ظهر أن موسكو وبكين وباريس أقرب الى موقف الاعتراض على رغبات وأهداف واشنطن ولندن والتنديد بها. غير أن هذه العواصم الممتعضة بدت حريصة على التوفيق بين صيانة مثل القانون الدولي المستقرة وبين جموح واشنطن للتصرف الطليق المتحرر من معظم هذه المثل وصولا الى احتمال تقويض الأمم المتحدة ذاتها والخروج على شرعيتها. ولهذا جاءت الصيغة غير الاعتيادية للقرار 1441. فكل الأطراف المعنية بالقرار وجدت فيه ما يبرر الادعاء بأنه وافق بعض أهدافها. الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أخذ يبشر بأن الاجماع الدولي على القرار يشكل انتصارا للدبلوماسية الأميركية، وأن فرص النظام العراقي للافلات بألاعيبه ضاقت بشدة بعد ان التحق الجميع بوجهة نظر واشنطن.. أما موسكو وبكين وباريس ومعها دمشق وعواصم عربية ودولية كثيرة، دون استثناء بغداد، فقدرت ان القرار قيد خيار الحرب الأميركي البريطاني وأقحم مجلس الأمن والأمم المتحدة عموما على خط الأزمة العراقية ورهن الخطوة التالية للتفتيش بالعودة الى المداولات الدولية وليس بإرادة واشنطن ولندن. بين ما يستخلص من هذا الالتباس ان معالم النظام الدولي مازالت بعيدة عن التبلور. وهذا في حد ذاته يؤشر الى وجود كوابح امام مفهوم القطب الأميركي الأوحد الذي لا ترد له مشيئة. ومع هذا لا تصح المغامرة بالقول بأن ما تفاعل على ضفاف الأزمة العراقية مؤخرا سيقود حتما الى بروز تعددية قطبية. الأقرب الى الصواب أن المناخ الدولي ينطوي على ممانعة للقطبية الأميركية الأحادية، فهناك عواصم ذات شأن تعارض هذا المفهوم.. عواصم ترى ان النظام الدولي لا ينبغي له أن يستسلم لإدارة أميركية مشغوفة باحلال القوة فوق القانون. وهنا بالضبط يثور السؤال عن موقع العرب وموقفهم من هذا الذي يجري عالميا من حولهم، العرب معنيون يقينا بنتائج المدافعة الدولية بين واشنطن ومعارضيها. ولذا فإن صمتهم عن التدخل في المساومات والمفاوضات الظاهرة والخفية، التي ستحدد مسار النظام الدولي ومصيره وقواعده الحاكمة لفترة ممتدة، يبدو موقفا لاعقلانيا ولا يمكن تبريره بمنطق سياسي سليم. بل وقد يحق رميه بالتواطؤ مع ما يضرهم ولا ينفعهم. بكلمات اوضح، يصنع العالم العربي خيرا لمصالحه في الحال والاستقبال إن انحاز الى جانب القوى الدولية العاملة على مقاومة الهيمنة الأميركية، التي توشك أن ترتد بالكوكب إلى ما قبل عصر القانون والنظام. أية نظرة عابرة على ما تود واشنطن ـ ولندن وتل أبيب ـ التأسيس له ومأسسته في العلاقات الدولية، تكفي للتأكد من الخسارة العربية الفادحة إذا ما قدر لهذا المحور كسر حاجز الممانعة القائم في وجهه حتى الآن. ومن باب التمثيل، لنا ان نتصور حجم الضرر الذي سيلحق بقضايا عربية دولية، اذا ما تمكنت السياسة الأميركية من «عولمة» ظواهر لعينة كازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي والانتقائية في الاستناد الى قرارات الأمم المتحدة، وانعدام شمولية مفهوم نزع أسلحة الدمار الشامل، ووسم المقاومة بالارهاب، وانتهاك حرمة السيادة الوطنية.. إن الاعتياد على هكذا ظواهر سيفضي الى تهيئة بيئة دولية مواتية جدا للسياسة الاسرائيلية ازاء الدول العربية. سيصبح السلوك الاسرائيلي، الذي يقع الآن في حيز العصيان ويوصف بالتمرد على جوهر العلاقات الدولية، سلوكا طبيعيا يحظى بالمقبولية. ندرك أن القوى الرافضة للهيمنة الأميركية تنطلق في موقفها من قراءة خاصة لمصالحها الذاتية، وهذا تصرف منطقي لأن السياسات الدولية ليست عملا خيريا.. بيد ان هذه المواقف تحقق للعرب بعض طموحاتهم وتصون بعض حقوقهم.. ومثل هذا التلاقي المصلحي يحتم على النظام العربي، قواه الاكثر فاعلية وحضورا إقليميا ودوليا، أن تنشط في تعزيز قوى الرفض بما تملك من أدوات ومقررات. ومن المداخل المؤدية للغرض في هذا السياق، التعرف على دوافع المعارضين والممانعين وردفهم بما يقوي مراكزهم التفاوضية والتساومية في مواجهة واشنطن. لقد سبق للعرب أن ألقوا باللائمة في وضعهم المتدني على نظم دولية جرى تصفيتها بعيدا عن أي دور لهم. وها هم الآن شهود على ارهاصات مولد نظام دولي جديد ولم يبادروا بعد للانتقال من موقع المراقبة والعجز الى حمأة المشاركة والفعل. فإن استمروا على هذه الوضعية، فلا يلومون بعد ذلك إلا أنفسهم! ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة