السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 ان الاوضاع المؤسفة التي يرزح العرب تحت وطأتها ويتمرغون في اوحالها، تطرح تساؤلات جوهرية عديدة تتعلق بأسرار التردي الحالي الذي يتجلى بمظاهر عديدة، مثل نجاح اسرائيل في اعادة احتلال مدن الضفة الغربية وتدمير مرافقها، واضعاف بنيتها التحتية، وفي تغير مواقف بعض الجهات العالمية تجاههم، والذي بلغ حدا جعل مؤسسة كبرى كمنظمة العفو الدولية التي كانت موئل رجاء ومعقد امل لهم، تعد العمليات الاستشهادية بمثابة جرائم حرب، فيما تعيث القوات الاسرائيلية المدججة بأحدث الاسلحة فسادا في اراضيهم. وفي الوقت الذي يصدر فيه بعض الحاخامات من المستوطنين فتاوى يحللون بموجبها سرقة المزارع والمحاصيل الفلسطينية، ولكن من حسن الحظ ان المنظمة المذكورة اقرت ايضا بأن اعمال اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة هي جرائم حرب. وقد كتب الكثيرون حول ابعاد المحنة الحالية وبواعثها وسبل مواجهتها فحللوا وناقشوا وعلقوا وفندوا وعللوا وطرحوا مقترحاتهم، وعبروا عن وجهات نظرهم، وبسطوا حلولهم وللاسف الشديد، كانت نتيجة جهودهم الكتابية كما نعرف جميعا مزيدا من التراجع العربي. فلماذا لم تستطع الادبيات السياسية في الدوريات والمناقشات القومية في القنوات الفضائية والتعليقات التحليلية في الاذاعات والطروحات الجدلية في الندوات ان تؤدي الى انارة شموع للامل او فتح منافذ لتنفس الصعداء؟ غياب الوعي لعل من التجني الزعم بأن جميع الكتابات السياسية لم تفعل اي فعل، ولم تؤد اي دور ايجابي، ولم توصل الى اية نتائج مرغوبة، اذ لولا هذه الكتابات، لربما كانت حالنا اسوأ مما هي عليه الآن، وان كان من المؤكد انها لم تفلح في ايصالنا الى النتائج المطلوبة والمرجوة. وبعض اسباب ذلك خارجة عن ارادة الكتاب اذ ماذا يفعل هؤلاء اذا لم تلق نصائحهم اذانا صاغية واصداء مسموعة؟ وماذا في وسعهم، اذا كان فعل كلامهم كفعل الصراخ في الوديان او الغناء في الحمامات؟ وما حيلتهم وهم مكبلون باغلال الرقابات الاعلامية والسياسية والاجتماعية وعاجزون عن كشف دخائلهم ومكنوناتهم ومكبوتاتهم؟ ولكن من جهة ثانية، فان بعض الكتاب مسئولون عن فشل الادبيات في تحسين احوال العرب وهؤلاء هم الذين ينشرون اعمالهم بالاتفاق مع جهات معينة خدمة لاغراضها وتوجيهاتها، وليس بهدف كشف مواطن الخلل في الحياة العربية وايجاد الحلول للمشكلات المستعصية، وثمة طبقة من الكتاب يقتصر انتاجهم على النّواح وبث الشكوى واطلاق زفرات الانين والبكاء على اطلال الهزيمة وصب جام الغضب على الاعداء والتنديد بمؤامراتهم ومكائدهم ودسائسهم، دون ان يتضمن هذا الانتاج اي تحليل واقعي للاوضاع السياسية القائمة وهناك كتاب آخرون يدرسون الامور بمناظير جامدة بعيدة عن استلهام المعاناة العملية والاستناد الى الخبرات الفعلية. وعلى الرغم من كل ما اوردناه فان العامل الاهم في تهميش دور الكتابة، يبقى متمثلا بغياب شمس الحرية عن ارض العرب، مما يؤدي الى لجم الكاتب وحبس افكاره الحقيقية الصادقة ضمن بوتقة مغلقة وحدود مرسومة، مع السماح لبعض هذه الافكار بالافلات من السجن بهدف التنفيس ودرء الاخطار الناجمة عن الكبت الخانق الكامل. ما الحل وما العمل اذن حتى تدب الحياة ثانية في اوصال الكتابة السياسية بخاصة، وتسري الدماء في عروقها الجافة وشرايينها المسدودة، فتغدو قادرة على التغيير والتطوير وانتشال العرب من وهدة التخلف والسير بهم في طريق التقدم والحضارة؟ ليست هناك وصفة جاهزة تحقق هذا الهدف فالمرض اعصى وأعقد بكثير من ان يتم علاجه بعقار واحد حاسم وبتعبير آخر، ليست هناك خطة عمل واضحة يجوز العمل بموجبها ولا جانب واحد يمكن التحرك باتجاهه ومع ذلك فلربما استطعنا ان نحقق الكثير في مجال تحسين صورة الكتابة السياسية وجعل نتائجها اكثر نجاعة.. اذا وجهنا جزءا كبيرا من هذه الكتابة باتجاه تطوير عقل الانسان العربي وسلوكه. لقد صدر خلال شهر سبتمبر من عام 2002 تقرير عن الامم المتحدة يشير الى ان العرب هم اكثر شعوب العالم تخلفا في العصر الحديث. وسواء كان هذا صحيحا مئة بالمئة ام انه ينطوي على بعض التجني والتحامل فان التقرير مخيف وينذر بالسوء ونحن لا نستطيع ازاءه ان نفعل كما تفعل النعامة عندما تدفن رأسها في الرمال. الحلقة الضائعة فالحقيقة باتت مكشوفة ولا مجال للمراءاة حيالها وهي ان الانسان العربي اليوم لا يتصرف بصورة عامة كانسان متحضر يعرف مصلحته ومصلحة وطنه، فهو بسبب غياب وعيه يتصور انه اذا كان بامكانه ان يوفر لنفسه الرخاء والسعادة والامن والعيش الرغيد، فان بوسعه الاستمتاع بهذه النعمة بصورة دائمة بصرف النظر عن اوضاع وطنه وحتى لو كانت هذه الاوضاع مزرية وهذا يعني انه قد اضاع حلقة مهمة للغاية وهي الحلقة التي تصل بين مصلحته الخاصة ومصالح الوطن الذي يعيش في رحابه وهذه هي ـ في نظري على الاقل ـ الطامة الكبرى التي تفسد شخصية الفرد العربي وتعيث فسادا في فكره وقلبه وسلوكه فمن الذي سيجسر الهوة ويعيد بناء الجسور ويحقق المواءمة بين المصالح الذاتية الضيقة ومصالح الامة الواسعة؟ انه ، كما يبدو لي الكاتب السياسي الذي يكتب في ثلاثة محاور، سياسية، واجتماعية ونفسية، بهدف اعادة بناء شخصية الفرد العربي الذي يتوضح تخلفه في سلوكيات عديدة تتسم بالنزعة الانانية المفرطة والانفعالية والابتعاد عن العقلانية وعن الروح الجماعية. اني اعتقد ان من الافضل للكاتب السياسي ان يبذل جهودا اكبر في سبيل تطوير العقل العربي وتحسين ادائه وتشجيعه على النقد الذاتي والتماس الحوار، بدلا من التركيز على لوم القوى الاجنبية المعادية، واتهام الغرب واسرائيل بأنهما المسئولان الوحيدان عن تردي اوضاع العرب، وعلى قرع طبول الحرب الكلامية العبثية ضد العولمة والغزو الثقافي الاجنبي وهيمنة النظام العالمي الجديد. اننا اليوم بحاجة الى انسان عربي يعي حقيقة الامور ويدرك بأن العالم يحترم القوي، وان المصالح هي التي تتحكم بالعلاقات الدولية، اما تأثير العطف العالمي في مستقبل الشعوب المقهورة والمغلوبة على امرها، فانه محدود للغاية ولا يسمن او يغني من جوع. وهذا يعني ان تغيير اوضاع العرب نحو الاحسن لايتم من خلال رأفة الرأي العام الدولي بهم، وانما بواسطة دفعهم الثمن من جيوبهم الخاصة بحيث يضحي كل فرد ببعض مصالحه الخاصة في سبيل مصلحة الامة، ولاشك ان مثل هذا التوجه الجديد لايمكن ان يتحقق بصورة تلقائية او نتيجة لوعي مفاجيء يهبط كالوحي على الانسان العربي، وانما لابد من حبكه وغزله ونسجه على يد الكاتب السياسي الواعي والنزيه. ان العرب اذا استمروا على نهوجهم وسلوكياتهم وعقلياتهم الحالية، فلن يحصدوا الا ما حصدوه، ولن يجنوا الا ما جنوه وسيبقون مسمّرين حيث هم فيشتمون الاعداء بالكلام ويشيدون بحكمة زعمائهم ويستجيرون بالرأي العام العالمي، ويطلبون التدخل من مجلس الامن ويأسفون لما حل بالاخوة الفلسطينيين الى اخر المعزوفة المعروفة التي تطرق آذاننا ليلا نهارا. لابد اذن من تغيير هذه المعزوفة من خلال كتابات سياسية واجتماعية ونفسية مبتكرة تركز على ايجاد انسان عربي يفكر ويعمل بطرق جديدة. ـ كاتب سوري