السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 بلوت طباع الناس طفلا ويافعا وها أنا من سن الكمال قريب وان لعام الأربعين لروعة ويوم بلوغ الأربعين رهيب أغار على فودي ما أبيض منهما وما العمر إلا صبوة ومشيب وما زادني بالناس علمى بهم سوى يقيني بأني حيث كنت غريب في الأبيات السابقة لخير الدين الزركلي وجدت سلوتي.. فيوم بلوغها رهيب حاولت أن أتناسى حلوله، لولا أن أخذت الاتصالات تنهال على رأسي كالمطارق، مقيمة سدا بيني وبين النسيان. لم أعد الزاد أبدا لهذا اليوم، كان بداخلي يقين كاذب بأني لن أبلغه، وأنني سأستشهد قبله في حرب أو أموت من أجل حب، فلا الشهادة نلتها ولا الموت أدركني. الأربعون تعني لدى البعض سن اكتمال الرجولة والنضج العقلي، سن النبوة والمسئوليات الكبرى، سن الفهم والتفقه في الدين، هي السن التي كان محمد صلى الله عليه وسلم فيها يقضي أوقاته الطويلة في الخلوة والتعبد بعد أن أحس ان الله اختاره لحمل خاتم الرسالات. فمنظر الدنيا من شرفه الأربعين مختلف، فحين تحل.. عليك أن تحذر طول الأمل. هي السن التي كانت الحد الفاصل بين طورين في حياة أبي العلاء المعري، رهين المحبسين قبلها كان أديبا عاديا وبعدها تحول إلى شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.. أول درس لها ان يعيد المرء التفكير في الأولويات بدلا من أن يتحسر على شباب ضاع. أحاول أن أقلب المسألة على اوجهها كي استريح قليلاً.. ففيها يمكن ان يبدأ الإنسان في الاصابة بالزهايمر.. أعراضه المبدئية النسيان وعدم القدرة على التركيز. وعندما تتقدم حالة المصاب ـ كما حدث مع الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريجان ـ يصبح غير قادر على تذكر الأحداث وغير مدرك للزمان والمكان، بل يجد صعوبة حتى في ايجاد الكلمات ليعبر عما في صدره. دعونا من ريجان لنتكلم عن المرأة، فالنسوة الجميلات لا يبلغنها أبدا.. وفيه تأخذ من فاتها قطار الزواج شهادة عنوسة رسمية. وبعيدا عن تخيلات الجنس الناعم تفقد المرأة في هذا السن جاذبيتها ورشاقتها.. ويتعرض جلد رقبتها الى هرم مبكر، وتبدأ فقدان ثقتها بنفسها، ونصف النساء يعانين بعدها من انتفاخ الشرايين. الرجال أيضا لهم نصيب، ففي الوقت الذي يصابون فيه بمراهقة متأخرة ويبحثون عن التجديد ربما في زوجة اخرى رغم أنهم متزوجون من نساء تصغرهم.. تزحف العلل إلي أبدانهم مثلما تزحف الحكمة الى عقولهم. فيبدأ جسم الانسان بالانكماش بدلا من النمو، اذ يفقد الجسر البشري عظاما أكثر مما يبني وتكون نسبة الفاقد سنوية وحتمية، وبعد الاربعين يفقد كل يوم ايضا مئة الف خلية عصبية.. لا تنزعجوا هكذا، فالانسان عندما يصل الثمانين يظل محتفظا ب70% من خلاياه العصبية. الاربعون هي السن التي عاجلت فيها المنية بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات الشهير، وهي التي لا يسمح الاحتلال الصهيوني لمن هم دونها بالصلاة في المسجد الأقصى، والأربعون في رأي أغلب الفقهاء هي الحد الادنى المطلوب توافره في مستوى القائد الاداري الأعلى لأي تنظيم انساني. لذلك فإن هذه السن تمثل العمر المحدد والمسموح بعده لشخص يتولى منصب رئيس الجمهورية في دساتير عربية كثيرة، غير ان هذا لم يمنع من تعديل هذا السن الى أربعة وثلاثين في سوريا، وربما تشهد مصر شيئا من هذا القبيل وإن ظل النفي سيد الموقف ـ فالمرشح المتوقع لن يبلغها إلا نهاية العام المقبل. لننظر قليلا إلى نصف الكوب المملوء، ففي الأربعين بدأ أبوبكر الرازي ممارسة الطب، وفيها يمكن ان يتعلم الإنسان الكيمياء، كما أن جورج دبليو بوش لم يتوقف عن ادمان الخمر إلا حينما بلغها، والدروز لا يكونون مكلفين بتعاليم ديانتهم قبلها، فحينما يبلغها الدرزي يتلقى عقيدته لانها تمثل سن العقل لديهم. على حد تقرير كوفي عنان عام 98 عن اعمال الأمم المتحدة فإن ثلث الافارقة لا ينتظر ان يظلوا على قيد الحياة بعدها.. هل انا متشائم لاني افريقي.. لا لا فتقرير آخر يؤكد ان ثلث سكان العالم الثالث لا يعيشون حتى بلوغها.. هذا يعني انني ان افلت من افريقيتي فلن استطيع الافلات من كوني احد سكان هذا العالم الثالث.. يا حسرة علينا، ففي الوقت الذي يعيش فيه ثلث سكان العالم بدولار واحد في اليوم أو أقل نجد 59% من الأميركان يعانون السمنة!! ربما لهذا السبب نجد صراعا كونيا على نيل جنسية هذا البلد. سخيف جدا ان يستسلم المرء لفخ التشاؤم لماذا لا تتذكر ان شكسبير ألف معظم روائعه فيما كانت سنه تدور حول الاربعين، يوليوس قيصر، هاملت، عطيل، ماكبث، الملك لير.. لكن لا يعرف أحداً ما إذا كان سن الاربعين هو السبب أم لأنه أخذ أجازة من زوجته وظل عشرين عاما بعيدا عنها ولم يعد إليها إلا بعد أن قارب الخمسين؟. ليست الصورة قاتمة فنابليون بونابرت الفاتح الشهير كان يصاب بالذعر حينما يواجه قطة، وهو الفارس في ساحة الوغى وخالد بن الوليد الذي خاض معارك لم تترك في جسده شبرا إلا وفيه ضربة بسيف او طعنة برمح مات حزينا على فراشه وصاح «ها أنذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء» فلا الأربعون تخيف.. ولا ساحات الوغى.. ما يخيفني قلة الزاد ووعثاء السفر. آخر الكلام ـ سئل حكيم عربي من أعدل الناس ومن أظلمهم ومن اكيسهم ومن احمقهم ومن اشقاهم؟ فقال أعدل الناس من أنصف نفسه، وأظلمهم من ظلم غيره، واكيسهم من أخذ اهبته للأمر قبل وقوعه، وأحمقهم من باع آخرته بدنياه، واشقاهم من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. وكل عام وأنتم بخير magdishendi@hotmail.com