الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 في زمن العولمة، واقتصاد السوق المفتوح، صارت قوانين السلع ونوعيات البضائع وآليات الدعاية والاعلان هي الحكم والفيصل النهائي، وصار علينا ان نجلس على مقاعدنا الوثيرة في غرف الجلوس امام اجهزة التلفاز لتنهمر علينا في الساعة الواحدة مئات الاعلانات التي تقلب مفاهيمنا رأساً على عقب، وتعيد صياغة حتى قوانين الطبيعة والحياة لمصلحة المعلن وصاحب الشركة ورواج البضاعة، وماعدا ذلك فلا شيء يهم! في زمن العولمة، وآليات السوق وسيادة مفاهيم وتقنيات الاعلان، لن تكون اول كلمة ينطق بها الطفل ماما او بابا بل «زبادي» ولن تكون المدينة الفاضلة هي تلك التي افنى الفيلسوف افلاطون عمره في رسم تفاصيلها ضمن فلسفة كمال متكاملة، ستكون الفضيلة والكمال مجرد مكيف هواء لا اكثر، سيكون الحلم الاكبر للانسان العربي في كل مكان هو الفوز باحدى جوائز المسابقات الهاتفية الخيالية والتي تتجاوز حدود الملايين بمجرد حل سؤال في منتهى البساطة واحيانا التفاهة!! صارت الثقافة واصبح الفن تحت رحمة شركات الجبن والشوربة والارز والكريم كاراميل والحليب والمعكرونة و... الخ، وصرنا نحن بالتالي تحت رحمة قصف الاعلانات التي تهاجم منظومة حواسنا بوابل لا ينتهي كل خمس دقائق خلال متابعة مسلسل أو عمل فني معين، صار الاعلان والسلعة هما الاهم وذلك صحيح مئة في المئة لان الذي يملك يحكم دائماً ويتحكم. وهذا هو الخطر الاكبر على مجمل منظومة الثقافة والاعلام حينما يتحكم فيها المعلن والتاجر وسوق الاعلان. وهو خطر نتائجه معروفة منذ زمن بعيد لكن مخاطره على المتلقي قد تجاوزت الخطر إلى الدمار هذه الايام! تحتاج الثقافة والاعلام لدعم حكومي هائل، لأنها من اكثر الحقول التي لا تستطيع ان تمول نفسها بشكل كامل بعيداً عن سيطرة الاعلان وآليات السوق، لكن هذا الدعم يحتاج لتخطيط وانتقاء، فليس كل عمل يحمل مسمى فن او دراما او ثقافة يستحق الدعم والصرف عليه ببذخ، هناك اعمال انفقت عليها الملايين في حين انها وبعد العرض والمتابعة اثبتت انها فاشلة ولا تستحق المتابعة او حتى النقد، لانها مجرد تفاهات في قالب عمل فني اسمه مسلسل لا هدف من ورائه ولا مضمون، ولعل مسلسل داوود حسين الاخير خير مثال على ذلك، وربما كان الاجدر بالاموال التي صرفت لانتاجه ان تنفق على دعم مشاريع انتاجية افضل وارقى من ذلك بكثير. في زمن اللهاث والسباق تختلط المعايير، ونحن امام تدفق عجيب وخطير لاعمال هابطة المستوى وبعيدة عن المصداقية، وبها الكثير من المغالطات التاريخية، والاعلانات تعيد قولبتنا وفق ما تشتهيه قيم السوق، ولو اننا بقينا على هذا الوضع كثيراً فإن غسيل الادمغة الذي تمارسه الاعلانات والمسلسلات علينا صباح مساء سوف يؤتي ثماره سريعاً وستكون ثماراً مرة جداً. ولنتأمل معاً كمية العنف والمشاهد اللاانسانية في مسلسلات الفنتازيا والمسلسلات التاريخية (هولاكو) والمسلسلات العربية وما بها من سقوط لقيم الخير والفضيلة والصدق لصالح نهوض قيم اخرى هي الاحتيال والشر والتآمر والغش، والتزوير والسرقة وصعود نجم الاشرار وتلاشي نماذج الخير.. الخ كل ذلك يصب على ادمغتنا ويغسل عقول اجيالنا الذين يتعرضون لهذه الاعمال يوميا، فكيف ستكون النتيجة في النهاية؟ هل ستختلف عن ذلك الطفل الذي عندما نطق كانت اول كلمة قالها هي زبادي؟! اعتقد بان هذا الجيل سوف ينطق ويتحرك فيما يأتي من الايام بهذا المنطق الذي يتشبعه من الحياة المتناقضة حوله ومن قيم الاعلانات والمسلسلات، فهذه لن تمر مرور الكرام أبداً وسيعاني منها المجتمع بأكمله.