الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 اولئك الذين حرّفوا سيرة هارون الرشيد وشوهوا تاريخه باختلاق قصص اللهو والمجون ورسموا له صورة الحاكم الفاسد، ظلموا هذا الخليفة العباسي الذي يعد واحداً من اقوى وأشهر الشخصيات التي عرفها التاريخ الاسلامي، فالخليفة هارون اغنى وطور واضاف الى هذه الحضارة كثيراً من المجد والانفتاح، وخاصة في مجال الادب والثقافة، ويبقى عمل مثل «دار الحكمة» شاهدا على فكر وتطلعات هذا الحاكم وتشجيعه للعلم والكتاب. والفريق الآخر، اولئك الذين دافعوا عنه بحرارة، ايضا لم ينصفوه، لأنهم زايدوا في ذلك وجعلوه اماماً في الورع والتقوى وتناسوا طبيعة الزمن الذي عاش فيه والتحولات التي حدثت في عصره. فلا شك ان كتاباً مثل «الف ليلة وليلة» افترى على هذا الخليفة، فلا يصدق العقل ان حاكما وصلت الفتوحات والانتصارات في عهده الى الصين والهند والروم وكان في اغلب هذه المعارك قائداً لهذا الجيش حاملاً سيفه منتظراً الموت شهيداً، مثل هذا الخليفة الذي هزم قائداً مغرورا مثل «نقفور» ملك الروم اكثر من مرة، وسجل له التاريخ فيه قولا ردده الزمن منذ ذلك العهد البعيد ولايزال في ذاكرة الامة، عندما تسلم كتابه الذي هدد وتوعد فيه المسلمين، فكتب له على ظهر الكتاب نفسه «من هارون أمير المؤمنين الى نقفور كلب الروم لقد قرأت كتابك والجواب ما ستراه دون ما تسمعه والسلام». ذلك هو هارون الرشيد وتلك هي شخصيته، فهذا الخليفة الفارس القائد تفرض عليه عسكريته التي مارسها وهو في الخامسة عشرة من عمره عندما اوكل له والده المهدي قيادة الجيش، تفرض عليه طباع الشدة والصرامة والحذر. فكيف يكون كذلك ويكون كما تقول حكايات الف ليلة وليلة بين الجواري والملذات ينام على اصوات العود والغناء وجلسات الشراب التي تتواصل في قصره حتى الفجر. وأيضا هل كانت مشاغل الدولة التي يحكمها تترك له فسحة من الزمن لمثل هذا اللهو، الدولة التي حدودها اكثر من نصف العالم اليوم وما فيها من قضايا ومشاغل ومتطلبات ودسائس واعداء يترقبون ان تنام عين الخليفة او تتشاغل عنهم. الفريق الآخر الذي يرى في امير المؤمنين هارون الرشيد الصورة الاخرى النقيضة يبالغ ايضا، فزمن الدولة العباسية لم يكن كما كانت ايام الخلفاء الراشدين، تلك شخصيات لم تتكرر في مختلف عصور الدولة الاسلامية، فلم يذكر التاريخ خليفة جاء بعدهم ـ إلا عمر بن عبدالعزيز ـ كان مثلهم في تقواهم وزهدهم وخوفهم من الله. نعم وجد من تشبه بهم وحاول ان يكون مثلهم، وقد يكون هارون الرشيد واحداً من هؤلاء، إلا ان الزمن الجديد، والانفتاح على الحضارات والثقافات الاخرى التي وصلت اليها دولة الاسلام في معاركها وانتصاراتها وما جلبته هذه الفتوحات من مظاهر وأفكار وعادات وصور اخرى الى البلدان الاسلامية فرض وجوده وغيّر من طبيعة الحياة. لقد عرفوا اللهو والمباهج بأنواعها وأشكالها وأقبلوا على الدنيا وسحرهم هذا النعيم الذي سرى في كل شئون حياتهم من مسكنهم وملبسهم ومأكلهم الى طريقة تفكيرهم وتصرفاتهم وتطلعاتهم ايضا. وفي العصر العباسي وصلت الدولة والشعب الى درجات من الانفتاح والتطور، وتغيرت الحياة كثيرا، وكان عهد هارون الرشيد من أكثرها ازدهاراً وحضارة، وكما يصف البغدادي حال عاصمة الرشيد ومقر حكمه آنذاك فيقول عنها: «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة دورها ومزارعها ودروبها وشعابها واسواقها وسككها وازقتها ومساجدها وحماماتها وطرزها وخاناتها، فيها ستة آلاف حمام وفيها عشرون الف مسجد وفي نهرها ثلاثون الف زورق». لقد وصلت الى قمة المجد وذرى الحضارة في عصره ووصفت في كتب التاريخ «ان ايامها كانت اعراسا» فلم يكن الخليفة هارون الرشيد كما صوره اولئك الذين افتروا عليه ولا كما حاول ان يقول عنه الذين احبوه ودافعوا عنه، كان بين الصورتين. لقد كانت الحياة والناس في عصره كما وصفهم شاعر نجم عاش في ذلك الزمن هو «ابو العتاهية» عندما قال فيه: لك اسمان شقّا من رشاد ومن هدى فأنت الذي تدعى رشيداً ومهديا بسطت لنا شرقا وغربا يد العلا فأوسعت شرقيّا وأوسعت غربيا ووشيت وجه الارض بالجود والندى فأصبح وجه الارض بالجود موشيّا قضى الله ان يصفو لهارون ملكه وكان قضاء الله في الخلق مقضيا