الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 هل بوسع محمود ابو مازن وأمثاله من اقطاب مرحلة أوسلو ان يتعهد لجماهير الشعب الفلسطيني بوقف الاجتياحات الاسرائيلية للمدن الفلسطينية؟ واذا لم يكن بوسعه ان ينتزع من القيادة الاسرائيلية تعهداً من هذا النوع فهل يستطيع ان يقدم لشعبه حماية من هذه الاجتياحات؟ وبايجاز: اذا كان ابو مازن وامثاله يعارضون الكفاح المسلح من حيث المبدأ فما هو النهج البديل الذي يمكن في رأيه ان يؤدي لتصفية الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية؟ قبل بضعة ايام دعا محمود ابو مازن للمرة الثانية او الثالثة فصائل المقاومة الفلسطينية الى القاء السلاح والاستعاضة عنه بالحجارة! ومما يلاحظ اجمالاً ان مثل هذه الدعوات التي تصدر عن رجال أوسلو بدأت بنداء «متواضع» الى وقف العمليات الاستشهادية الفلسطينية داخل العمق الاسرائيلي ثم تدرجت بعد ذلك لتشجب مثل هذه العمليات حتى في الاراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال. واخيراً كشف هؤلاء السياسيون عن مرماهم الحقيقي فأصبحوا يشجبون نهج العمل المسلح على اطلاقه وبكل اشكاله. وفي تحريمه للكفاح المسلح يذهب ابو مازن الى حد اعتباره «خطأ». وله في ذلك نظرية. فاستخدام الاسلحة في سياق الانتفاضة سواء داخل اسرائيل او الاراضي الخاضعة للاحتلال «يعطي اسرائيل الذريعة التي تحتاجها لاعادة الاحتلال». ولا ادري ان كان ابو مازن يفترض ان قادة المقاومة ومن ورائهم الشعب الفلسطيني بفئاته لا يعلمون ما يجري على صعيد المسرح السياسي الاسرائيلي وان القوم هناك منهمكون في مزايدة محورها ايهم الاقدر على ابادة الشعب الفلسطيني او ترحيله جماعياً خارج ارضه او ابقائه في ارضه كرقيق تحت سيطرة اسرائيلية مستديمة. في احدث مراحله، وكما نراه الآن امام اعيننا، انحصر الصراع السياسي الاسرائيلي اخيرا داخل حزب الليكود باعتباره الرمز الاكبر لليمين المتطرف، ومع اشتداد معركة حامية حول من يفوز بمنصب رئيس الحزب فيكون بالتالي مرشح اليمين المتطرف في الانتخابات العامة المقرر اجراؤها اواخر فبراير فإن القضية التنافسية المطروحة هي كيفية الحيلولة دون قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني. هذه ليست اجندة سرية او مخططات تحاك في الظلام. فالزعيمان اليمينيان المتنافسان ـ ارييل شارون وبنيامين نتانياهو ـ يعرضان مشاريعهما علنا ويزايد كل منهما على الآخر جهراً. فكيف يواجه الشعب الفلسطيني هذا المصير الخطير بتسيير مظاهرات سلمية تنتهي الى القاء حجارة على الدبابات والمدرعات الاسرائيلية؟ في الاسبوع الماضي كتب نتانياهو مقالة في احدى الصحف الاسرائيلية انه اذا وافقت اسرائيل على قيام دولة فلسطينية فكأنها قررت ان تنتحر.. فالدولة الفلسطينية ستكون في رأيه قاعدة للارهاب الفلسطيني مما يتهدد بقاء الدولة اليهودية. والفارق بين نتانياهو وغريمه شارون هو ان الاخير اذ يعارض ايضا قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني فإنه يحبذ اسلوب منع قيام الدولة عملياً دون الافصاح عن ذلك. ولذا فإن شارون «متخاذل» في نظر نتانياهو!. وفي ضوء هذه الحقائق الاسرائيلية المرئية فإن قول محمود ابو مازن ان نهج الكفاح الفلسطيني المسلح يعطي اسرائيل «الذريعة» لاعادة احتلال الارض الفلسطينية يبدو غريبا.. اذ استعملنا عبارة مخففة. فمتى غادرت القوات الاحتلالية الاسرائيلية اراضي الضفة وغزة حتى نقول انها «ستعود»؟ على العكس تماماً فإن اسرائيل عمدت الى تعزيز وضعها الاحتلالي مضيفة اليه تصعيداً منهجياً في اساليب القتل الجماعي والاغتيال الانتقائي مع تشديد اجراءات الحصار والتجويع وحظر التجوال ومداهمة الاسر وهدم المنازل واحراق المزارع واتلاف محاصيلها. إزاء هذه الاوضاع الرهيبة التي هزت الشارع في عواصم اوروبا واميركا الشمالية فإننا لا يمكن بحال من الاحوال ان نفترض ان قياديا في مستوى ابو مازن لا يعي ما يجري سواء على صعيد المسرح السياسي الاسرائيلي او على الصعيد الميداني الدامي في الاراضي المحتلة. لقد كان الاحرى بسياسي فلسطيني مخضرم في مستوى ابو مازن ان ينزل بنفسه الى الميدان ليشارك في المقاومة المسلحة.. او يلتزم السكوت.