الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 كرست نتائج انتخابات المركز التمهيدية لرئاسة حزب العمل، وصعود الجنرال المتقاعد عمرام متسناع وجود التيارات الثلاثة الرئيسية في الحزب. تيار الوسط الليبرالي الواسع نسبياً، والذي أبدى بشخص زعيمه استعداده للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني دون شروط مسبقة، وهو تيار أوروبي (يهودي غربي اشكنازي) يحمل تاريخاً عريقاً في السياسة البراغماتية وحضوراً وتأثيراً في مختلف الأوساط الدولية، والتيار الثاني الذي يعبر عن اتجاه التجنح نحو التقاطع مع سياسات اليمين والمشاركة العملية بها على يد مجموعة السفارديم المتطرفة بقيادة بنيامين بن اليعازر، واتجاه آخر متواضع الحضور لم يحصد سوى 3.7 % في انتخابات البرايمرز لصالح زعيمه حاييم رامون، وهو اتجاه يصرخ مرتعباً من سياسات حزب العمل باعتبارها مسحت هوية الحزب من حزب تاريخي مؤسس للدولة العبرية إلى حزب فاقد للوزن والحضور. لقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية الراهنة، والتفاعلات الكبرى التي أحدثتها داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل، حزب العمل ومجمل الخارطة الحزبية الإسرائيلية أمام وضع صعب ترتب عليه أن تحسم خياراتها، وأن تؤكد توجهاتها البرنامجية، إن كان لصالح استمرار عملية التسوية، أو لصالح الموقف الآخر الداعي للتراجع عن عملية سمدريد ـ أوسلوس كما هو حال أحزاب اليمين بشقيه العلماني والتوراتي. اتساع التناقضات ويبدو حال حزب العمل والأحزاب والقوى المحسوبة على «اليسار الصهيوني» ككل أكثر تعقيداً نظراً للأهمية التي ترقى إليها المواضيع المطروحة بالنسبة لمستقبل الدولة العبرية ذاتها، من جانب، ولاتساع الطيف السياسي للقوى المنضوية تحت جناح ساليسار الصهيونيس من جانب آخر، فضلاً عن حالة التخبط التي عاشتها السنوات الماضية اثر الانتكاسات التي أصابت عملية التسوية ذاتها على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية مع الدولة العبرية. فهي قوى كادت أن تفقد هويتها البرنامجية والسياسية في خضم عملية التسوية الجارية منذ عقد من الزمن حيث تمايلت قطاعات منها جيئة وذهاباً مع تمايل السياسات والانتقالات بين وداخل صفوف الأحزاب ذاتها، وتفاقمت أزماتها مع اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية. إن النتائج التي أفضت إليها انتخابات المركز عند حزب العمل، تشي بأن هدوء العاصفة الحزبية الداخلية سيأخذ مداه إلى حين من الزمن، خاصة وأن التناقضات الطبقية أولاً، والتناقضات بين مجموعتي الإشكناز (أمراء الحزب) والسفارديم (دخلاء الحزب) ثانياً بدأت تتشبع داخل الحزب، الذي كان دائماً حزباً للاشكناز. فضلاً عن فقدان الحزب للبرنامج السياسي، وصعوبة الوصول إلى تحقيق رسالة برنامجية موحدة له على ضوء الانقسام الراهن بين تياراته. وعلى هذا الأساس فإن ميتسناع سيكون بالضرورة في حال وصول العمل إلى تشكيل ائتلاف حكومي قادم أمام وضع لا يحسد عليه، وربما يعيد إنتاج السياسات إياها التي أضاعت الحزب، وحولته من حزب مؤسس للدولة العبرية إلى موقع أقل نفوذاً وحضوراً. وعليه فإن حال البنية السياسية البرنامجية لحزب العمل أصبحت «مطاطة» ستضمر وتتسع تبعاً للتحولات والتقلبات التي جرت وتجري داخل المجتمع الإسرائيلي بتكوينه (اليهودي والعربي) على أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وأدت إلى تغيير متواصل في ترتيب نسق الاصطفافات والائتلافات الحزبية الإسرائيلية أكثر من مرة على امتداد العقد الأخير من القرن المنصرم وحتى انتخابات فبراير 2001 وصعود شارون. وكل هذه الاصطفافات لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها نتاجاً للتحول والحراك داخل التجمع اليهودي على أرض فلسطين 1948 على خلفية اندلاع الانتفاضة والكفاح الفلسطيني والصراع الجاري في مجرى عملية تسوية مأزومة لا آفاق لها في ظل صيغتها الراهنة والمعادلات المختلة التي تحكم مسارها المتعثر. بالإجمال، ومع أهمية ما يجري الآن من حركات وتطورات ملموسة في الشارع اليهودي داخل الدولة العبرية وداخل جيش الاحتلال وصفوف الانتلجنسيا الإسرائيلية، لا يمكن التعويل على دور نافذ أو مؤثر لحزب العمل بقيادته الجديدة تجاه القيام بتحقيق نقلة كبيرة على صعيد إعادة النظر بصيغة العملية السياسية التسووية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإعادة بناءها من جديد على أسس الشرعية الدولية. فأمراء وصقور العمل ما زالوا يملكون رصيداً كبيراً. وبالمقابل فإن طيف اليسار الصهيوني الضيق داخل حزب العمل يعتريه ويشهد في صفوفه تبايناً بشأن الموقف من قضايا التسوية النهائية مع الطرف الفلسطيني، وتحديداً بشأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. إن إمكانيات تطوير الموقف الإسرائيلي على يد الجنرال المتقاعد عمرام ميتسناع تجاه قضايا وعناوين التسوية مع الطرف الفلسطيني، وإمكانية الدفع نحو التماثل مع الشرعية الدولية ليس أمراً هيناً أو سهلاً، ويتوقف على عدة عوامل أبرزها: 1- الدور المتعاظم للانتفاضة الفلسطينية والتحولات التي أحدثتها وتحدثها من وقائع داخل المجتمع الإسرائيلي بأسره. فاستمرار الانتفاضة ينقل الحركة السياسية والصراعية إلى داخل الكيان الإسرائيلي ذاته، ويضع كل الفئات اليهودية أمام أسئلة جديدة فحواها: إن طريق الأمن والسلام لا يمكن أن تفتح دروبه دون الاستجابة الإسرائيلية لاستحقاقات الشرعية الدولية. 2- مغادرة تكتيك الاتكال في السياسات العربية على تحولات الخارطة السياسية الإسرائيلية، وضرورة اشتقاق مواقف عربية مبادرة وأكثر تماسكاً في دعم الشعب الفلسطيني. إن الموقف الفلسطيني والعربي المتماسك بحدوده الدنيا، يعكس نفسه بالضرورة في دفع التيارات والكتل السياسية، ليس في إطار حزب العمل بل وداخل إسرائيل، لمناقشة ذاتها والاستجابة بدرجات أعلى مع قرارات الشرعية الدولية والمقاربة باتجاهها. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق