الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 عادت الأحداث السياسية في أميركا اللاتينية لتثبت مجددا أنها أكثر حيوية مما يعتقد البعض من دعاة التبعية الجديدة ومنظري العولمة، وأثبتت أنها لن تستسلم مهما حاول البعض تكبيلها بقيود، فإنها ستحاول فك القيود التي تكبلها، وترفض أن يربطها إلى مصير القوة الأعظم في العالم أي شيء، سواء كان ذلك عن طريق التبعية السياسية أو الاقتصادية التي يلعب فيها صندوق النقد الدولي دور الطابور الخامس لصالح واشنطن، أو غيره من أنواع التبعية. وذلك بعكس ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط التي يبدو أن شعوبها استكانت لمصيرها الذي ترى انه محتوم ولا راد له، سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الشعبي، على الرغم من أن كل المؤشرات تؤكد أنهم مقبلون على حدث يمكن أن يكون كارثة كونية بكل المقاييس، يكون العرب أول الخاسرين فيه، وبأيديهم. بعد المقاومة التي يبديها الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز ضد الممارسات الشرسة التي يمثلها بعض رجال الأعمال والإعلام العميل للولايات المتحدة، والتي تعدت الحدود المتفق عليها في الممارسة الديمقراطية، والتي تجعل الحكم الوحيد بين أطراف اللعبة هو «صندوق» الانتخابات، وليس صندوقا آخر يحاول البعض وضعه في الطريق كنوع من خلط الأوراق الذي يمارسه بعض المقامرين عندما يخسرون اللعبة، فيطالبون بدور آخر في محاولة لتغيير اتجاه «الحظ»، لأنهم ليسوا ديمقراطيين حقيقيين، ولكنهم في الحقيقة مقامرون بمستقبل الوطن، جاء الشعب البرازيلي ليعلن رفضه للتبعية الجديدة، ويقرر أن يسلك طريقا غير الطريق الذي سار عليه خلال أكثر من نصف قرن تحولت فيها الدولة الغنية بمواردها الطبيعية والتي تملك جميع المقومات لبناء صناعة لا تقل تقدما عن أي صناعة أخرى إلى مجرد بلد يعتبر المدين الأول في العالم، مما جعله مباحا لمن يملك «الدولار» ويسيطر على أسعاره في السوق الوطنية، وينحني لأصحاب هذا الدولار حتى أصبحت البرازيل وطنا للفقر، وكرة القدم ورقص السامبا. صدمة التبعية الصدمة الجديدة لدعاة التبعية «العولمية» تأتيهم هذا الأسبوع من بلد صغير، قد لا يعرفون أين موقعه على خريطة العالم، الإكوادور، التي عاش شعبها، الذي لا يتعدى الاثني عشر مليونا، لأكثر من قرن من الزمان جزءا من «جمهوريات الموز» الشهيرة المحكومة بشركة الفاكهة الأميركية، تغير حكامه وتتسلط ضد شعبه دون أن يتمكن أحد من التدخل، وعندما ظهر البترول على شواطئه سرقوه ليخرج مباشرة من باطن الأرض إلى معامل تكريره في الولايات المتحدة بلا مقابل يذكر. أعلن شعب الإكوادور هذا الأسبوع أنه ساخط على الطبقة السياسية التقليدية التي أغرقته في الفقر والديون والعنف، ورفض أن يكون ممثل تلك الطبقة مليونير مزارع الموز «ألفارو نوبوا»، واختار ضابطا يساريا بلا سلطة سوى سلطة شعار الحرب على الفساد الذي خلفه التاريخ الاستعماري القديم بعد سقوط جمهوريات الموز. كان نجاح الضابط السابق «لوثيو جوتيريث» مشكوكا فيه حتى قبيل الجولة الأولى للانتخابات التي جرت في العشرين من أكتوبر الماضي، بعد أن استخدم منافسه المليونير ورئيس الدولة المؤقت ألفارو نوبوا كل الأسلحة الشرعية وغير الشرعية للإيقاع به في حبائل التناقض، أول تلك الشراك إعادة لقب «الانقلابي» إلى الأذهان تذكيرا للشعب بأن المرشح المنافس ليس ديمقراطيا (!)، ودليله الانقلاب الذي قاده الضابط اليساري في الحادي والعشرين من يناير من عام 2000 ضد الرئيس الشرعي للبلاد وقتها الدكتور جميل معوض، أستاذ الاقتصاد اللبناني الأصل الذي فشل في تحقيق وعوده الانتخابية، وانتهى إلى الغرق هو الآخر في فساد الطبقة السياسية التقليدية، ووقفت البلاد تحت رئاسته على حافة إعلان الإفلاس الكامل. لكن المليونير الذي حصل على ثروته من التجارة بعرق مزارعي الموز، فاته أن هذا الانقلاب لم يكن انقلابا عسكريا مخططا له داخل ثكنات الجيش لإصلاح الحال السياسي، كما كان الحال في زمن الانقلابات العسكرية في تلك المنطقة، ولكنه كان انقلابا عفويا نتج عن صدمة الجيش بين اتباع أوامر القيادة السياسية لقمع تمرد الهنود سكان البلاد الأصليين نتيجة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها كطبقة منسية تماما، على الرغم من أنهم سكان البلاد الأصليين ويشكلون الأغلبية عدديا، وبين واجبهم على الحفاظ على شعبهم الذي يشكل الهنود معظمهم. وان الانقلاب كان نتيجة مباشرة لاستدعاء الجيش لقمع المطالبين بحقوقهم، ولكن الضابط لوثيو جوتيريث عندما واجه حالة الهنود وأوضاعهم تبين له أن أي عمل قمعي ضدهم ليس دستوريا، واكتشف لأول مرة أن الحال في الإكوادور ليس كما تدعي الحكومة، ولكن الأحوال وصلت إلى طريق يحتاج إلى تصحيح عاجل، وإلا فالضياع سيشمل الجميع، فبدلا من قمع المطالبين بحقوقهم انضم إليهم، بل وأعلن أنه سيكون صوتهم، وتبعه جنوده الذي نكس بعضهم أسلحته فيما قرر البعض الآخر توجيهها نحو البرلمان ليعيد حساباته قبل أن يتخذ قرارات جديدة تكون على حساب الغالبية العظمى من الشعب. بداية الوعي نتيجة «عودة الوعي» لضباط الجيش الإكوادوري كان الإعلان عن قرار البرلمان عزل الرئيس المنتخب جميل معوض من منصبه باعتباره أحد أسباب ما آلت إليه البلاد من أوضاع ناقصا، لأن الفساد الذي يعشش في هذا المبنى الديمقراطي المسمى بالبرلمان كان يعني حله والعودة من جديد إلى الشعب لاختيار أعضاء جدد، لكن تقرر الهروب إلى الأمام، وتم اختيار رئيس مؤقت إلى حين إجراء انتخابات جديدة، وبدلا من محاكمة المسئولين عن الفساد السياسي والاقتصادي تمت محاكمة الضابط لوثيو جوتيريث بسبب وقوفه مع الشعب، وانتهت المحكمة إلى قرار عزله، وهو القرار الذي كان مرفوضا اجتماعيا. الرئيس المؤقت الفارو نوبوا بدلا من إجراء انتخابات عامة جديدة طبقا لما يقرره الدستور، تحايل على تنفيذ القانون واستمر في منصبه لاستكمال فترة رئاسة جميل معوض، على الرغم من عدم دستورية هذا الوضع اتخذ قرارات عدة لها تأثيراتها على حياة البلاد والشعب، منها إلغاء العمل بالعملة الوطنية واتخاذ الدولار عملة للتعامل، أي وضع الاقتصاد الإكوادوري أو ما تبقى منه في أحضان العملة الأميركية، بدعوى أنه الطريق الوحيد لحماية الشعب من تقلب سعر العملة الوطنية الضعيفة. بالطبع مثل هذا القرار يخدم بالدرجة الأولى طبقة التجار ورجال الأعمال لأنه يسهل عليهم تهريب أموالهم إلى الخارج بنفقات قليلة ودون حاجة إلى البحث عن العملة الأميركية مما يسببه لهم من خسارة. استمر الحال طوال العامين الماضيين كما كان عليه قبيل عزل الرئيس السابق جميل معوض، بل حاول الرئيس المؤقت الفارو نوبوا خلال تلك الفترة إعداد المناخ العام لخلق حالة رافضة لأي مرشح آخر أملا في أن يتمكن هو من البقاء في المنصب لفترة أربع سنوات أخرى، ولم ينتبه إلى أن الأوضاع في البلاد لا يصلح معها أي نوع من أنواع المسكنات، وأن أعماله مكشوفة مهما حاول تجميلها، لأنه في الوقت الذي كان فيه الشعب الإكوادوري يغرق في مزيد من الديون، ويلتهم التضخم دخله القليل من أبنائه العاملين خدما في بيوت أوروبا، كانت ثروة الرئيس تتضخم بفعل توسيع تجارته إلى أنشطة أخرى غير الموز، كالتجارة في البترول والنشاط السياحي. بالمقابل وجد الضابط السابق نفسه مكرها على دخول المعترك السياسي بعيدا عن الجيش الذي درس علومه وعاش جزءا كبيرا من حياته فيه، فقام بتشكيل حزب جديد استخدم فيه تاريخ الانقلاب العسكري العفوي وأطلق عليه اسم حزب «المجتمع الوطني للحادي والعشرين من يناير»، وحاول قدر الإمكان أن ينسي الناس أنه عسكري انقلابي، وانه يريد أن يشارك في صنع مستقبل الوطن بعيدا عن الطبقة السياسية التقليدية الفاسدة التي تربت في أحضان الاستعمار ورضعت العمالة منه. مخاوف وتطمينات بدأ الحزب الجديد نشاطه السياسي في المناطق الهندية أو التي يتكدس فيها الهنود عراة حفاة بلا أي نوع من أنواع الخدمات في وطن فقير، بالطبع مع التركيز على العاصمة كيتو التي تضخمت بسبب هجرة سكان الريف والجبال الذين ضاقت بهم سبل الحياة، فهجروا المزارع وحقول الرعي بحثا عن لقمة خبز في المدينة الكبيرة. تخوف الولايات المتحدة من وجود الضابط السابق في الحياة السياسية لم يكن بسبب انتمائه إلى الجيش بل بسبب ميوله الأيديولوجية اليسارية، فعملت سفارتها في صمت لإبعاده عن المنافسة في هذه الانتخابات حتى لا تجد نفسها فجأة أمام هوجو شافيز آخر يمكنه أن يعرقل خططها في السيطرة على منطقة وسط أميركا اللاتينية، بادعاء مكافحة حروب العصابات وتجارة المخدرات في كولومبيا المشاركة في حدودها مع الإكوادور، بل أن الولايات المتحدة تحتفظ بقاعدة عسكرية مهمة في الإكوادور تعتبر أساسية في شبكة قواعدها العسكرية التي تحتاجها في حالة مواجهة قلاقل مسلحة في المنطقة. لكن يبدو أن الضابط السابق، المعجب بشخصية الرئيس الفنزويلي عدو الولايات المتحدة الثاني في أميركا اللاتينية بعد فيدل كاسترو، استفاد من تجارب غيره، فحاول منذ البداية أن يطمئن واشنطن على قواعدها العسكرية، بل وأن يؤكد أن الوضع الداخلي في الإكوادور يختلف عن الوضع في فنزويلا، وأن لكل بلد ظروفه التي تحتم عليه أن يتخذ طريقا مختلفا. فأعلن بعد فوزه مباشرة أنه سيبقي على العلاقات المتميزة مع الولايات المتحدة، وأنه على استعداد للعمل على انضمام بلاده في منطقة التبادل التجاري الحر الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تكوينه في منطقة وسط أميركا اللاتينية، كنوع من الضمان لاستمرار التحالف العسكري. لكن المراقبين الذين تابعوا ظهور شخصية الضابط السابق لوثيو جوتيريث، وجهوده السياسية، يرون أن هذا الإعلان من جانبه قد لا يعني أكثر من تحييد واشنطن مؤقتا، لأنه سرعان ما سيجد نفسه في صدام معها، لأن حربه ضد الفساد لابد وأن تشمل أصدقاء أميركا وعملائها في الحياة السياسية والاقتصادية، وأيضا إعلانه العمل مع دول أميركا اللاتينية الأخرى الغارقة في ديونها الخارجية لتشكيل جبهة موحدة لمواجهة ضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدول الغربية الدائنة سوف تضعه في مواجهة من سياسة واشنطن في المنطقة، لذلك لا يتوقعون أن يستمر شهر العسل طويلا بين الولايات المتحدة والإكوادور في ظل حكم الرئيس لوثيو جوتيريث. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا