الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 هل حافظت على أداء الصلوات المكتوبة في المسجد ام انك تتثاقل عن الذهاب اليه، وتكتفي بادائها في المنزل؟وهل كنت في الصف الاول او الاخير حين اخترت الصلاة جماعة في بيت من بيوت الله؟ كم ختمة من القرآن ختمت، وهل سبقت زملاءك ام سبقوك في أداء هذه الطاعة؟ هل تحافظ على صلوات القيام والتهجد ام انك تتسمر على شاشات التلفاز، او تقضي وقتك جالسا في المقاهي تلعب النرد وتشرب الشاي؟ تبدو هذه الاسئلة التي قرأتها للتو عادية ومألوفة في رمضان، وهي من غير شك تشكل قاموس مفردات العديد من الافراد الذين لاينفك احدهم يوجه مثل هذه الاسئلة لزملائه وأقرانه. وهي اسئلة تلمس في ظاهرها الحرص الكبير على التسابق في الخيرات، والتنافس في الطاعات، وطرق ابواب الجنة من شتى اشكال العبادات الظاهرية غير ان ثمة امر يستحق العناية والاهتمام اثناء احاديث الحصر والجمع لحجم الانجازات الفردية من العبادات البدنية في هذا الشهر العظيم. ويختص بحفظ الطاعة البدنية وحمايتها من ان تصبح مجرد طقوس شكلية خالية من الروح والأثر. وقد غاب ذكر هذا المعنى عن الاحاديث اليومية الرمضانية رغم ان الطاعة البدنية ما شرعت الا لتهذب الروح وتنقي المشاعر، وتزكي النفس، وتقوي الضمير وتلهم صاحبها المعاني الايجابية، وتقوي لديه العزم على سلوك طريق الاستقامة، وتدفعه ليكون فردا مضيفا الى الحياة لا زائداً عليها، وتحجبه عن التفكير في السلوك الخاطيء، وتقوي عزمه على تحمل تكاليف الالتزام، والنهوض بتبعات الواجب، وتجعله في مقدمة الافراد القادرين على صناعة الحياة وفق هندسة النجاح الايماني التي تطلب من اصحابها ان يكونوا نماذج رفيعة على السلوك الملتزم، وامثلة حية على قدرة الاسلام على انتاج الفرد الناجح في الحياة، المتعاون مع الآخرين الذي يغفر للمخطيء، ويصفح عن المسيء، ويجيد الطرق على ابواب القلوب المتعطشة لفهم الاسلام فيأتيها من ايسر باب واقربه اليها، فاتحا لها طريق الخير، ومقدما افكاراً عملية قابلة للتطبيق، تجعل من التفكير في تصحيح المسار امراً ممكنا وسهلا حتى لو مضى على الانسان زمن طويل وهو حبيس الوهم والسراب والامل الخادع. فالعمر مازال في ربيعه لمن يملك القدرة على استثمار ايامه وساعاته في الاستقامة والالتزام بمقاصد الاسلام من تشريع العبادات والاحكام. فليس التدين في الاسلام هو تدين المظاهر والصور وانما هو تدين يستوعب النفس والضمير والخلق والعبادة البدنية، ولئن كانت الفرائض هي العمود الفقري للدين الا انها تضع صاحبها امام مسئولياته الكبرى في تحقيق الانسجام والتناغم بين الخلق والسلوك وبين ما يتلى في الصلوات من آيات وأوراد واذكار . ولا يرضى الإسلام لاتباعه إلا أن يكونوا حراساً للفضيلة وحماة لها. ان ما يريده الإسلام من اتباعه المسارعين لاداء الطاعات البدنية ان يمارسوا جهدا اضافيا مع انفسهم، وان يراقبوا موشر الحماية الداخلية ضد أمراض النفس، وملوثات الفطرة. والمطلوب لكي تقبل العبادة ان يكون مؤشر الحماية الداخلية فعالاً ولا يعاني من تدهور ملحوظ من شأنه ان يؤدي إلى حدوث انهيار في بعض العبادات القلبية مما يضعف من جودة العبادة، ومن قدرتها على تحقيق مستوى من الكفاءة يرضى عنه الخالق عز وجل. والله تعالى طيب لا يقبل الا الطيب، وإذا ما تصادمت في النفس عوامل الشر مع عوامل الخير، وكان لدى الإنسان قابلية للتجاوب مع عوامل الضعف والقبول بها فان هذا يعني سيرا في الطريق المضاد لما أمرت به الشعائر والعبادات التي تريد من ممارسيها الارتقاء والسمو وتقديم الأفضل من الأقوال والافعال ولان البناء من اجل الاستمرار هو فلسفة الإسلام في كل شعائره واحكامه فان أثر هذه العبادة يجب ان يكون طويل المدى، كما ان قرار الاستقامة على احترام القيم والمباديء يجب ان يكن قراراً نهائيا غير قابل للنقض أو الاستئناف.