الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 من فيض ما قيل في اللسان من مأثورات، قولهم: «الجمال في اللسان»، و«لا شيء أزين على الرجل من الفصاحة والبيان»، و«المرء مخبوء تحت لسانه»، و«اللسان ترجمان الفؤاد»، وقول شاعر الحكمة أبي تمام: ومما كانت الحكماء قالت لسان المرء من خدم الفؤاد والمقصود باللسان في كل ذلك ـ بطبيعة الحال ـ هو كلام المرء ولغته، فهي التي تفصح وتبين عن حظه من المعارف والعلوم والآداب والتراث الثقافي لامته وللانسانية بعامة. وبقدر حصيلة المرء من مفردات اللغة وتعابيرها وأمثالها وأشعارها ومأثوراتها، تكون بلاغته، وحسن بيانه، وجمال لسانه. لهذا كان من وصايا الخلفاء والعظماء لمعلمي أولادهم ومؤدبيهم ان يعلموهم ويرووهم من الحديث أشرفه، ومن الامثال أحكمها، ومن الشعر أعفه وأحسنه. والحق، انه لا نظير لتراث اللغة العربية من المأثورات البليغة، التي تعد كنوزا ثمينة، ومناهل صافية ثرة، تروي الواردين، فتزدهر على ألسنتهم رياض ناضرة من بديع الكلام، وجميل التعابير، وحكيم البيان. ولعل «الامثال» خير مثال للآليء تلك الكنوز ودررها، ذلك لانه ـ كما يقول المفكر والشاعر ومعلم الجاحظ ابراهيم النظام ـ : «يجتمع في المثل اربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: ايجاز اللفظ، واصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة». لهذا، احتلت الامثال ـ عن جدارة ـ مكانة مرموقة سنية في الادبيات العربية، وفي مكونات ثقافة الادباء والبلغاء. يقول أبو هلال العسكري، العالم اللغوي وصاحب كتاب «جمهرة الامثال»: ««ما رأيت حاجة الشريف الى شيء من أدب اللسان، بعد سلامته من اللحن، كحاجته الى الشاهد والمثل والشذرة والحكمة السائرة، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيما ويكسبه قبولا، ويجعل له قدرا في النفوس، وحلاوة في الصدور، ويدعو القلوب الى وعيه، ويبعثها الى حفظه، ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجادلة». وهكذا، يعد من جميل البلاغة، ومن بديع المهارات، ان يزين المتكلمون كلامهم بالاقتباسات والتضمينات، او الاستشهادات، مما يناسب المقام من التعابير والامثال. من ذلك ـ مثلا ـ وفي ظل الشدائد والمصائب التي تحيق بأمتنا العربية، كظلام الليل الدامس، نحتاج اشد الحاجة الى شد أزر النفوس، وشحذ طاقات الصبر والتحمل، والتمسك بخيوط الامل، والايمان بأن الشدائد، ويقال لها: الغمرات، مهما تكاثفت ظلماتها، فإنها حتما سوف تنقشع وتنكشف وتنجلي. وهذا ما علا به نشيد صوت الحياة والحرية في الشعر التونسي الحديث أبي القاسم الشابي: اذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر هذه المعاني كلها يعبر عنها بايجاز بليغ، المثل القائل: «غمرات ثم ينجلين» و«سحابة صيف عن قريب تقشع». وفي مثل هذا المعنى الجليل، نجد كثيرا من التعابير والأمثال، منها: «أضيق الامر أدناه الى الفرج»، و«كل هم الى فرج»، وهو المعنى الذي عبر عنه الامام الشافعي في قوله الشهير: ولرب نازلة يضيق لها الفتى ذرعا، وعند الله منها المخرج ضاقت، فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج ويتوج كل هذه الاقوال التي تبشر بالأمل والفرج بعد الضيق، قول الآية الكريمة المبينة في تأكيد ويقين: «إن مع العسر يسرا». فإذا أردنا الحث على الاستعداد لمواجهة الشدائد، والتحصن بالجد والاجتهاد، والشجاعة والاقدام، فإن لنا ان نقتبس لكلامنا او نضمنه المثل البليغ: «شمر وائتزر، وألبس جلد النمر»، او المثل الآخر: «شمر ذيلا، وادرع ليلا». او مثيله: «قد شمرت عن ساقها فشمري»، وهو حث للنفس على الجد في مواجهة الدواهي التي ألمت. وفي الشعر يكفي لاستثارة العزم قول المتنبي الذي جرى مجرى المثل: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم».