الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 مع تصاعد موجة الترهيب الاميركي ضد العالم العربي، سارعت غالبية الحكومات العربية الى التكيف مع الموجة الاميركية الجديدة، عبر الانصياع لكل ما هو مطلوب اميركياً، بل ان كثيراً من النخب العربية الحاكمة بدأت تتنازل طواعية عن سيادة اراضيها الوطنية من اجل ارضاء واشنطن والظهور بمظهر المتفاني والحريص على سلاسة وسلامة العلاقة مع الولايات المتحدة. وليس من الصعوبة القول ان عدداً من هذه الحكومات أو من هذه النخب الحاكمة يسقط تدريجياً في الفخ الاميركي، وأنها تتحول ـ أميركياً ـ الى شكل مستنسخ من الوظيفة التي تريدها اسرائيل للسلطة الوطنية الفلسطينية. لقد كان هدف اسرائيل من اتفاقيات اوسلو هو انتاج سلطة فلسطينية لا تعبر عن الاماني الوطنية للشعب الفلسطيني بقدر ما تتولى هذه السلطة حماية امن اسرائيل. واستطاعت السلطة بالفعل القيام بهذا الدور حتى نسفته الانتفاضة الفلسطينية تماماً. ومن هنا تعرض رئيس هذه السلطة لما تعرض من حصار وتجويع وهدم لمقار الحكم. ومن الانصاف ان نقدر وضع السلطة الوطنية الفلسطينية ونلتمس لها الاعذار لأنها تواجه كل ذلك وحدها في غياب غطاء عربي او دولي يقدم لها المساندة السياسية والعسكرية او المعونة الاقتصادية. ولكن ما لا يمكن فهمه هو ان كثيراً من نخب الحكم العربية تنتقل عن ارادة ووعي من خانة النخب الوطنية الى دور الوسيط المسوق (السمسار) للاستراتيجية الاميركية تجاه الشعوب العربية. فمثلاً اذا قالت الولايات المتحدة انها تحارب الارهاب سارعت هذه النخب الحاكمة الى تقديم كل اشكال التعاون الامني والاستخباري، بل انها لا تتورع عن اطلاق اجهزة امنها وجيوشها على افراد من مواطنيها لم تثبت ادانتهم، وذلك لمجرد ان واشنطن تقول انهم ارهابيون، ولا مانع ايضاً من استرخاص دماء الابرياء. واذا طلبت الولايات المتحدة تعديل مناهج التعليم خصوصاً التعليم الديني هرولت هذه النخب الحاكمة الى الاستجابة مع تبرير ذلك وتزيينه للرأي العام، وتصوير ما يجري بأنه تطوير تأخر كثيراً. وحينما تهدد واشنطن بضرب العراق ومعاقبة من لا يشاركونها هذه المهمة تنصاع هذه النخب بأشكال مختلفة، فمنها من يسارع بالضغط على العراق ومنها من يفتح مطاراته ومنشآته العسكرية لتكون في خدمة الاستراتيجية الاميركية، رغم ان ما يقال علناً غير ذلك، وما تفعله هذه النخب مع العراق تفعله ايضاً مع الانتفاضة الفلسطينية.. كل شيء حسب المطلوب اميركياً. ولا يتوقف دور السمسار العربي عند هذا الحد وانما يسعى الى افساد اي جهود شعبية لحصار التهديدات الاميركية مثل التدخل لافساد المقاطعة الشعبية للبضائع الاميركية عبر التهوين من هذه المقاطعة او الزعم انها تضر بالاقتصاد الوطني. المدهش ان كل هذه التنازلات تبرر ـ دائماً ـ على انها من اجل حماية المصالح الوطنية. واذا كان هذا المنطق مقبولاً، فيمكن القبول به اذا كانت هناك خطوات تتخذ على الارض لبناء استراتيجية وطنية او عربية بديلة يمكن الوصول الى ثمراتها على المدى الطويل، لكن الملاحظ ان ذلك يتم في ظل غياب كل المؤشرات الدالة على حدوث ذلك. فمعظم النخب العربية الحاكمة.. تتنافس فيما بينها ـ ليس لبناء هذه الاستراتيجية الوطنية، وانما لبناء المزيد من جسور التبعية للولايات المتحدة الاميركية، حتى وكأن المنطقة العربية عائدة ـ فعلاً ـ الى عصر الاستعمار التقليدي الذي تخلصت منه قبل نصف قرن. ولا تتورع هذه النخب عن التناحر وتبادل الاتهامات والثارات التاريخية في محاولة لتبرئة النفس من الدمغ بالارهاب والقاء التبعة على نخب عربية اخرى، في حين ان الكل مطلوب للذبح الاميركي. ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في الضعف العربي، فنحن كعرب نمتلك امكانات اقتصادية وبشرية هائلة، ونمتلك جيوشاً قادرة على حماية الكرامة العربية، لكن المشكلة مصدرها غياب الارادة الوطنية وفي ارتباط كثير من هذه النخب العربية اقتصادياً وفكرياً بالولايات المتحدة، في ظل تغييب تام ومتعمد للارادة الشعبية، واختزال الوطن في اجهزة القمع والقهر. فمتى تكبح هذه النخب اندفاعها الى ممارسة دور السمسار وتعود الى دورها المأمول منها على المستوى الوطني والقومي؟ .. متى؟