الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 مضى زمن طويل لم أقرأ فيه مثل هذه الكتب، وحينما تناولت أحدها منذ أيام وجدت خطوطاً كثيرة قد استقرت تحت أسطرها.. كان الكتاب قديماً جداً.. وفي داخله قصاصة احتوت هذه الجملة: «... وعندما رحل، وأمعن في الغياب والبعد، سقطت روحه في الوحشة، وصارت الذاكرة وحشاً يهاجم حنايا القلب في كل لحظة، فكتب إليها مستغيثاً: لقد اضطرني القدر وقسوة الحياة للجفاء، فهل تعذرين؟ فجاءه صوتها عبر الهاتف: ولقد اضطرني الجفاء للصمت فهل تحتمل؟ وفيما مضى كنت أجد بعض الوقت لأقلب فيه صفحات بعض المجلات أطالع فيها ما يتعلق بمشكلات القراء، وفي هذه الصفحات قرأت كثيراً عن شبان وشابات يكتبون عن هموم قلوبهم المعذبة يطلبون نصحاً أو حلاً أو مخرجاً، كانوا يسألون بيأس وعذاب: كيف ننسى؟ هل يتوجب علينا ان نكره لكي ننسى الغدر أو الاساءة أو الجفاء أو العذاب؟ وكان الذين يتصدون لحل المشاكل ينهالون على أصحاب الرسائل بسيل منهمر من مواعظ ونصائح لا طعم لها!! وفي زمن بعيد كنت لا أفارق عادة قراءة مجلة «العربي» الكويتية من الغلاف الى الغلاف، وأذكر انني قرأت فيها الكثير مما لا يزال عالقاً في الذاكرة، ومن هذا الكثير أتذكر هذه العبارة: «ان الحالة المضادة للحب ليست الكراهية أو البغض، عكس الحب هو ألا يكون لديك احساس تجاه من كنت تحب، عكس الحب هو ان تتجمد مشاعرك تجاه انسان كان يملأ قلبك وسمعك وذاكرتك!! فهل يمكن احتمال هذا القدر من القسوة؟ نعم يمكن للقلب ان يصبح كالحجارة أحياناً حينما يكون الغدر أكبر من قدرة الانسان على الاحتمال أو حتى مجرد الوصف.. يتحجر القلب أحياناً كي يحتمل القسوة ويستمر في الحياة!! اليوم وبعد ان قرأنا أكثر مما تنفسنا وشربنا، حول الحب وحميمية الاصدقاء وغدر الأحباب وقسوة الزمان، وحول السقوط في التعاسات التي يخلفها الرحيل والبعد والجفاء، وبعد ان امتلأنا بالمشاهدات والتجارب، صرنا على يقين بأن عبارة مجلة «العربي» هي الأقرب إلى الواقع، وبأن عكس الحب ليس الكره أبداً، حيث يوجد ما هو أكثر قسوة، وهو ألا تشعر بمن كنت تحبه، لكن أجمل ما يمكن ان تربي روحك عليه هو ان تنسى الاساءة بنبل وتصوف دون ان تلتفت الى الوراء أو تطرح تلك الاسئلة القاتلة حول السبب وضرورة الانتقام، إن ذلك أفضل كثيراً من الوقوع في دوامة الكراهية والانتقام، ومراكمة الأوجاع والتذكارات البائسة واستحضار السيئات واجترار ما كان وما مضى بلا فائدة!! الحياة ليست بذلك الدفء الذي نتصور، لكنها أجمل من ان نقضيها مع الألم، فبرغم حضوره الدائم في تلافيف حياتنا، إلا انه يبقى مرادفاً للتعاسة التي لا تحتمل، إن أفضل الحلول هو أن تقفز وبأية وسيلة للضفة الأخرى وتنسى، تهرب من وحش الكره والألم إلى سلام النفس وصفائها.. ففي الحياة آلام كثيرة تحتاج منّا أن نكون أقوياء كي نكمل السير حتى النهاية دون سقوط.. نحتاج للحكمة فهي ضالة المؤمن، وحينما يجدها فجدير به ان يقف في مواجهتها كما يقف في مواجهة البحر والسماء وأن يقرأ سطورها بتمهل.