الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 حتى إذا لم تكن من محبي الشهرة تظل اللقاءات التلفزيونية الأولى ذات ذكريات لا تنسى. أنت لا تعرف ما تفعل ، وبعض العاملين في هذا المجال مثل غيرهم فيهم قسوة وفظاظة. وأنت تحتمل لأنك تظن أنه ليس عليك ألا تفعل هذا، وفي إحدى اللقاءات الأولى طلب مني المعد أن أذهب إلى مبنى التلفزيون وهناك قال لي انه لا يوجد استديو شاغر للتسجيل ولذلك فإنه علينا أن نذهب إلى أحد الفنادق الكبرى. هل معك سيارة ؟ ولما أجبت بالإيجاب قال: هيا اتبعنا! وفي الفندق اكتشفوا عائقا لم أعرفه حتى الآن ، وكنت أظنه آنئذ خاصا بالتقنية ، ولكن يخيل إلي الآن أنه لم يكن هناك اتفاق مسبق مع الفندق، ومرة أخرى قال لي أحدهم: هل معك سيارة ؟ فلما أجبته بالإيجاب قال هيا اتبعنا إلى القلعة ؟ وتبعتهم إلى قلعة صلاح الدين وأنا أحلم بأن ألقي بهم واحدا واحدا من فوق أسوار القلعة ، على ألا يكون مصيرهم مثل مصير المملوك إبراهيم بك، فلقد قيل ان محمد علي عندما قتل المماليك في مذبحة القلعة لم يستطع أحد منهم النجاة إلا إبراهيم بك الذي قفز بحصانه من على سور القلعة ، لكنه قفز من على الحصان قبل وصوله إلى الأرض، فمات الحصان ونجا. وقد كتب عنه جورجي زيدان رواية باسم «المملوك الشارد» وأظن - ويظن المؤرخون- أن القصة ملفقة وأن شيئا من هذا لم يحدث. وجلست على سور القلعة حيث قفز المملوك الشارد لأخفي ضيقي وأتحدث أمام الكاميرا. وفي مرة ثانية أتى فريق العمل ليتفق معي على التسجيل ومنذ هذا اليوم وأنا أكره تعبير «فريق العمل» وهم منصرفون قالوا لي انهم سيبدأون غداً من التاسعة صباحا وظننتها نكتة فلا شئ في التلفزيون يبدأ في التاسعة سوى الإرسال لكنهم كانوا فعلا في البث في التاسعة، وظلوا يسجلون ويتوقفون ويغيرون مكان الكاميرا وأنا أحاول أن أفهم السبب عبثا ثم طلبوا مني أن ننتقل إلى مكان آخر على النيل وعندما صافحوني شاكرين لي تعاوني كانت الساعة الثامنة مساء احدى عشرة ساعة كاملة! ومع الوقت تدرك أنك لا تريد هذا ولا تطيقه ، فتعتذر المرة تلو الأخرى ، فيسهلون عليك الامر.. وربما لست مقتنعا - صار - لديك ما يطلبونه أكثر ، فيتغير السلوك، وبدلا من الاضطهاد ينتقل الموقف إلى التدليل الشديد. طلب منى محمد مصطفى أن نسجل لقاء تلفزيونيا وكنت إلى تلك اللحظة أظنه صحفيا كبيرا فقط. ذهبنا إلى الغردقة وكانت أول مرة لي في حياتي ، فلقد رفضت دائما أن أذهب، فأنا لا أحب الشواطئ، واكتشفت أنني تهربت من مكان قد يكون أجمل ما في الدنيا. وسجلت اللقاء في وقته تقريبا ، فلا توقف ، ولا تلكؤ، تحضير جيد وبعد عودتنا أرسل لي شريطا قبل بثه على غير المعتاد ثم خمس نسخ من جريدة نشرت اللقاء كاملا. ومع ذلك ففى القلب غصة فلقد أردت أن أتحدث ونسيت شيئا هاما بالنسبة لي مثل اسمي أو أين ولدت أو أين تعلمت، فجأة وأمام الكاميرا نسيت عنوان كتاب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ» هذا الكتاب الصغير أثر فيّ تأثيرا كبيرا وأظنه أثر في جيلي كله وهو مجموعة مقالات عن أحداث وشخصيات من التاريخ المصري المعاصر قدمها الكاتب برؤية عصرية كانت مدهشة في زمانها، أحد فصول هذا الكتاب مثلا عن أحداث زفتى التي وقعت في عام 1919 فعندما قامت الثورة استقلت زفتى بأمورها وهي مدينة صغيرة آنئذ، وكونت حكومة يرأسها يوسف الجندي وكان شابا صغيرا، وصل بعد ذلك إلى أنه صار رئيس مجلس الشيوخ وقامت الحكومة بتنظيم حياة الناس خاصة في قضايا التموين، ولكنها مارست السلطة بشكل جميل فأقامت «كشكا» للموسيقى، كانت تعزف فيه الموسيقى للناس خاصة يوم الجمعة وبعد انتهاء الثورة ظل «الكشك» رمزا لأيام الحرية. وفي الستينيات أراد أحد المحافظين تجميل المدينة فقرر إزاحة «الكشك» وعندئذ وقفت المدينة كلها ضده حماية للرمز الوطني ودهش الرجل وتراجع عن قراره. وفي الستينيات ذهبت إلى زفتى لجمع مادة عن هذه الاحداث لكتابة رواية ورأيت كشك الموسيقى، والناس ينظرون إليه كما لو كان قوس النصر في باريس. ومنذ وقت قريب قابلت شخصا من زفتى فسألته عن الكشك وبدت عليه الدهشة فهو لا يعرف أي كشك موسيقي في زفتى. وكتب أيضا عن عبد الله النديم الاديب الذي يعتبر أحد زعماء الثورة العرابية ، وعن الشيخ علي يوسف رائد الصحافة الذي تزوج من ابنة الشيخ السادات دون موافقة أهلها فأشعلت مصر كلها، فلقد قام السادات برفع قضية للفصل بين الزوجين لعدم التكافؤ وسمى محمد المويلحي الكاتب صاحب «عيسى بن هشام» هذا العام بعام التكافؤ وذلك رداً على ما أسماه علي يوسف بعام الكف عندما صفع شاب المويلحي في مطعم أو مقهى ظنا منه أنه يسخر منه. وانقسم الناس أحزابا حول قضية الطلاق ولكنه كان انقساما غير منطقي، فالانجليز الذين كانوا يحتلون البلاد قالوا انه من حق على يوسف أو غيره أن يتزوج ممن يشاء وعندئذ قال الوطنيون: من علي يوسف هذا الذي يجرؤ على أن يتطلع إلى ابنة الشيخ السادات ؟ وقال من يدافع عن حق السادات: ان علي يوسف يمتهن الصحافة وهي مهنة لا تليق بالأسرة الشريفة، وقام رجال التنوير بالدفاع عن المهنة الوليدة، اختلط الحابل بالنابل وفي النهاية أقرت المحكمة زواج علي يوسف من صفية السادات وجمعهما بيت الزوجية بعد شهور طويلة أدلى كل مواطن فيها برأيه ، وتدخلت كل القوى من الخديو إلى الوزراء إلى السفارة البريطانية وما أن جمعهما عش الزوجية حتى تم الطلاق! هذه الاحداث التي قدمها أحمد بهاء الدين ببساطة وعمق أثرت في تفكيرنا جميعا ولما قلت هذا الكلام في ندوة في الجمعية التاريخية قرأت الامتعاض في عيون أساتذة التاريخ فهم لا يعتبرون أحمد بهاء الدين مؤرخا وكذلك عبد الرحمن الجبرتي والياس الأيوبي وعبد الرحمن الرافعي. هناك مقياس للمؤرخ لا ينطبق على هؤلاء وأنا لا أعترض على هذا المقياس على الأقل بحكمي عضوا في الجمعية التاريخية ، وان كانت هذه المرة الأولى التي أدخل فيها مقر الجمعية الجديد وهو من أجمل المباني التي تراها في حياتك ، وهو هدية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة الذي أحب دراسة التاريخ وقدم فيها دراسات فريدة ولا أظن مؤرخا يريد دراسة الإمبراطورية العثمانية إلا ويعتمد على كتبه وأعتقد أنه يتميز بين المؤرخين العرب المحدثين أن قدر الموضوعية لديه كبير. وفي تلك الندوة في مقر الجمعية ذكرت كتاب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ» كثيرا ربما ظنوا أنني أغيظ أساتذة التاريخ ولكن الحقيقة أنني كنت أنتقم من ذاكرتي التي خانتني في برنامج محمد مصطفى وجعلتني أتساءل هل هذه بداية النسيان ؟