الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 كيف يستقيم ان تقصي الحكومة السودانية أحزاب المعارضة الشمالية عن العملية التفاوضية في «ماشاكوس»، ثم تأتي لاحقاً لتدعو قادة هذه الاحزاب الى المشاركة في ترتيبات «مرحلة انتقالية» جرى الاتفاق عليها ضمن «اعلان مباديء» انفردت الحكومة مع حركة التمرد الجنوبية بتأليف بنوده؟ هذا السؤال يكون أكثر وضوحاً لو أعدنا طرحه بصيغة مباشرة: هل اكتشفت الحكومة السودانية انها وقعت في ورطة؟ لقد كان واضحاً منذ الوهلة الاولى لانطلاق عملية التفاوض الثنائية في ماشاكوس ـ كينيا بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق ان ضآلة التركيبة العضوية التفاوضية لاتتلاءم مع ضخامة التحدي حتى اذا اخذنا في الاعتبار ان العملية التفاوضية اريد لها ان تكون محصورة داخل اطار مشكلة جنوب السودان ومستقبل علاقته مع الشمال لا مشكلة السودان ككل على الصعيد القومي العريض. ان حكومة السودان الراهنة تمثل تياراً سياسياً معينا.. وحركة قرنق تمثل فصيلا جنوبيا معينا. فكيف ينفرد طرفان لا يمثل اي منهما سوى قوة سياسية احادية بتقرير مصير العلاقة بين جنوب السودان وشماله؟ ان الوضع التفاوضي الامثل هو بالطبع ان يكون كل من الجنوب والشمال ممثلاً تمثيلاً كاملاً بكل قواه السياسية، اذا كان الهدف الاكبر المراد تحقيقه هو التوصل إلى تسوية سياسية كاملة وشاملة وثابتة، لا مجرد صفقة ثنائية بين طرفين تنطلق من الطموحات الذاتية لكل منهما للمحافظة على السلطة او الاستحواذ عليها. وبالفعل، وكما كان محتماً، فان العملية التفاوضية انزلقت سريعاً الى مستوى المساومات الذاتية فانحرف مجرى النقاش في «مصير الجنوب» الى «مصير الحركة الشعبية» ومن معالجة «المباديء الدستورية» الى معالجة ما اذا كان يحق لجون قرنق ان يكون رئيساً للسودان بالمناوبة مع الرئيس البشير. وبايجاز فان المسار التفاوضي على هذا النحو انتهى بالحكومة الى ورطة. فوفد حركة قرنق اخذ يرفع مجادلة المساومات والمناورات الى مستوى التعجيز بأن يقترح مثلاً ان يكون نصيب الجنوب وحده من عائدات النفط القومية 60 في المئة. وهكذا اكتشفت الحكومة اخيراً انها من ناحية لا تستطيع ان تمضي في عملية تفاوضية تحولت إلى بورصة مزايدات ومضاربات.. وانها من ناحية اخرى ليس بوسعها الانسحاب من التفاوض فتعرض نفسها لغضب واشنطن عبر «قانون سلام السودان» العقابي. رفض قادة المعارضة الشمالية التجاوب مع دعوة الحكومة السودانية إلى اشراك المعارضة في «حكومة قومية» رفض مفهوم. وكما قال احد اقطاب «حزب الأمة» فان الدعوة جاءت «متأخرة وناقصة» فقد عمدت الحكومة إلى اقصاء هذه الاحزاب عن العملية التفاوضية في ماشاكوس.. والان وقد وجدت الحكومة ان المسار التفاوضي انحرف الى منعطفات مظلمة قد تضطرها بالحاح حركة قرنق والضغط الاميركي المرافق لهذا الالحاح، الى تنازلات خطيرة فانها فزعت فيما يبدو من تحمل المسئولية التاريخية وحدها. لكن ليس معنى هذا بالضرورة ان يكون رفض المعارضة الشمالية نهاية في حد ذاته. فلا يزال هناك هامش متاح لتحقيق تفاهم بين المعارضة والحكومة. هذا الهامش يبقى متاحاً فقط في حالة ان تكون الحكومة على استعداد لاشراك قيادات الاحزاب الشمالية في عملية ماشاكوس التفاوضية كمفاوضين لا كمراقبين أو مستشارين. بكلمات اخرى، لقد آن الأوان لتصحيح خطأ التركيبة العضوية التفاوضية في ماشاكوس لفتح الباب امام كل القوى السياسية على الجانبين الشمالي والجنوبي حتى تتحرر العملية التفاوضية من اسر الثنائية ونهج المساومات الذاتية. اذا كانت الحكومة على استعداد لاحداث هذا التغيير فان الدعوة التي ينبغي ان تصدر منها الى الاحزاب، ينبغي ان تكون دعوة إلى «ميثاق قومي» يتفق عليه كل قادة الاحزاب الشمالية بما في ذلك الحزب الحاكم. وعلى هذا الالتزام بهذا الميثاق تدخل كل الاحزاب العملية التفاوضية كجبهة شمالية.. تقابلها على الصعيد الآخر جبهة جنوبية.