الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 تحظى التطورات السياسية في إسرائيل باهتمام دولي وإقليمي كبير، لاسيما وأنها تحصل على خلفية الاستعداد للانتخابات المقررة في أواخر يناير من العام المقبل، كما أنها تقترن بالصراع على زعامة الأحزاب السياسية الكبرى «العمل والليكود». وفي الحقيقة فإن أكثر ما يهم المعنيين والمراقبين في هذه التطورات هو شكل الخريطة السياسية، التي ستتمخّض عنها الانتخابات القادمة، والتي ستحسم توجهات المجتمع الإسرائيلي تجاه عملية التسوية بعد أكثر من عامين من الصراع العنيف مع الفلسطينيين. ولعله من باب المغامرة التكهّن بإمكان حصول تغيّر سياسي في إسرائيل لصالح التيارات المعتدلة، التي تبدي استعدادا للتسوية مع الفلسطينيين على قاعدة إخلاء المستوطنات وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، وذلك بحكم انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، خصوصا، بعد هذه الجولة الدامية من الصراع المتبادل مع الفلسطينيين، والذي يتغذّى من ادّعاءات: الدفاع عن أمن إسرائيل وحرب الاستقلال الثانية والصراع على الوجود، التي يروّجها اليمين المتطرف! ومع ذلك فإن السياسة بوصفها ظاهرة متحركة، ومحصّلة تفاعل ارادات ومعطيات، تتيح افتراض احتمالات متعددة من ضمنها إمكان حصول تغيّر سياسي في إسرائيل، وهذا ليس له علاقة بالأوهام أو بالمراهنات على هذا الحزب أو ذاك، فثمة ما يدعم هذا الاحتمال في التجربة التاريخية وفي مؤشرات الحياة السياسية في إسرائيل ذاتها؛ ويمكن تبيّن ذلك في النواحي التالية: أولا: في العام 1992 كان ثمة ترجيح لانتصار الليكود في الانتخابات ولكن النتيجة كانت عكس ذلك إذ تمكن حزب العمل بزعامة رابين من الفوز برئاسة الحكومة. وفي انتخابات 1996 استطاع نتانياهو الفوز على بيريز في الانتخابات برغم أنه في بداية تجربته السياسية بالقياس للمكانة السياسية المحلية والدولية التي كان يتمتع بها بيريز. وبدوره فقد استطاع باراك في العام 1999 الفوز على نتانياهو بفارق كبير بالأصوات برغم الحديث عن الشعبية التي كان يتمتع بها هذا الأخير. وتكرر الأمر مع شارون الذي لم يكن يبدو أنه يمتلك أية فرصة للفوز على باراك، في انتخابات عام 2000، فإذا به يفوز عليه بفارق كبير في الأصوات. ثانيا: أشارت انتخابات حزب العمل التي فاز فيها عميرام متسناع برئاسة الحزب، الى احتمال ميل المجتمع الإسرائيلي نحو التسوية وبالتالي نحو التغيير، إذ أن متسناع هزم بنيامين بن اليعازر، زعيم الحزب ووزير الدفاع سابقا، بالضبط وهو يعلن استعداده لاستئناف عملية التسوية مع القيادة الفلسطينية ومع الرئيس عرفات وإخلاء مستوطنات قطاع غزة والانسحاب منه فورا والتخلي خلال سنة عن معظم مناطق الضفة الغربية بما في ذلك الانسحاب من الأحياء العربية في القدس والاعتراف بالدولة الفلسطينية فور قيامها، باتفاق أو من دونه. وفي الواقع فإن هذه الأطروحات كانت في أساس صعود نجم متسناع في الحياة الإسرائيلية، برغم من كل ما يجري، وبرغم كل السعار اليميني. ثالثا: تبيّن التجربة أن المجتمع الإسرائيلي مسيّس ومتطلّب للتغيير، بحكم الثقافة والتجربة وظروف التكون التاريخي، وتبلغ نسبة مشاركته في الانتخابات حوالي 80 بالمئة وهي من أعلى النسب في العالم. وفضلا عن توزع الإسرائيليين على خريطة الأحزاب الإسرائيلية، فثمة مؤشرات تؤكد وجود كتلة مائعة قوامها 30 ـ 40 بالمئة تقريبا من المجتمع الإسرائيلي هي في الواقع مجال التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية وهي التي تتحكم بنتيجة الانتخابات. وطبيعي أن هذه الكتلة عرضة للتقلّبات وللاستقطابات السياسية لذلك فهي تأخذ قراراتها في اللحظات الأخيرة وفق المعطيات الداخلية والخارجية السائدة، عاكسة في ذلك أولوياتها وهمومها الآنية والخاصة. رابعا: تفيد استطلاعات الرأي بوجود تبدّل في مزاج الجمهور الإسرائيلي، بين فترة وأخرى، إضافة إلى التناقض في مواقف هذا الجمهور في الاستطلاع ذاته. فثمة استطلاعات تفيد بأن شارون يحظى برضى 70 بالمئة من الإسرائيليين في المواضيع الأمنية والسياسية بينما لا يحظى على ثقة 20 بالمئة منهم في المواضيع الاقتصادية، والأهم أن هذه الاستطلاعات، وبرغم كل الحديث عن انزياح الإسرائيليين نحو اليمين، تفيد بأنه ثمة 60 ـ 65 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون إخلاء المستوطنات والانسحاب من معظم الأراضي المحتلة وقيام دولة للفلسطينيين، سواء في إطار حل متفق عليه أو وفق مبدأ «الفصل» من طرف واحد؛ واللافت أن هذه الاستطلاعات تشير إلى أنه ثمة 50 بالمئة من ناخبي اليمين، ومن ضمنهم ناخبي الليكود، يؤيدون إخلاء المستوطنات المعزولة وقيام دولة فلسطينية «يديعوت أحرونوت 22/11/2002». خامسا: ثمة ملاحظة مهمة وهي أن الانتخابات القادمة ستتم وفق النظام الانتخابي القديم، حيث لن يتم انتخاب رئيس الحكومة مباشرة وإنما من الكنيست، وهذا سيساهم في ضبط خيارات الإسرائيليين الانتخابية، وسيوضح شكل الاستقطاب السياسي في المجتمع الإسرائيلي. وقد بينت التجربة الماضية أن نظام الانتخاب ببطاقتين (لرئيس الحكومة وللكنيست) أتاح للناخب الإسرائيلي التصويت لرئيس الحكومة الذي يناسب ميوله الشخصية والسياسية وأيضا التصويت للحزب الذي يعبر عن انتمائه الإثني أو معتقداته الأيديولوجية أو مصالحه الآنية، ما أضعف الحزبين الكبيرين (العمل والليكود) وأخلّ بالاستقرار السياسي في إسرائيل. سادسا: في الحديث عن اعتبارات الناخب الإسرائيلي في الانتخابات القادمة لابد من الأخذ بالاعتبار توق الإسرائيليين للتغيير، لاسيما أن حكومة شارون لم تنجح في المهمات التي أخذتها على عاتقها، لا على صعيد الأمن ولا السلام ولا الاقتصاد؛ فهذه الحكومة لم تفلح برغم خططها المتدحرجة وحملاتها التدميرية في جلب الاستقرار والأمن للإسرائيليين، مع 700 قتيل إسرائيلي وخسائر تقدر بحوالي 11 مليار من الدولارات، وتدهور مكانة إسرائيل على الصعيد الدولي. سابعا: يضطلع العامل الخارجي في دولة مثل إسرائيل بدور رئيسي في ترسيم التحولات السياسية ولا شك بأن موقف الإدارة الأميركية، أولا، وشكل العلاقة مع الفلسطينيين، ثانيا، هما العنصران الأكثر تقريرا في التحولات السياسية والأكثر تدخلا في تحديد نتيجة الانتخابات الإسرائيلية. ومعروف أن إدارة بوش الأب شجعت الإسرائيليين على إسقاط حكومة شامير لصالح حزب العمل (1992)، وثمة مؤشرات تؤكد بأن إدارة بوش الابن هي التي شجعت حزب العمل على الانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية وفتح ملف الاستيطان للتساوق مع «خارطة الطرق» الأميركية؛ ومعنى ذلك أن حسم إدارة بوش موقفها باتجاه تفعيل عملية التسوية ربما يؤدي إلى تعزيز التغيير في إسرائيل. أما دور الفلسطينيين في هذه الانتخابات فهو على غاية من الأهمية في هذه المرحلة، وهذه القضية ليس لها علاقة بالمراهنات والأوهام، كما قدمنا، وإنما لها علاقة بإدارة الفلسطينيين لصراعهم مع الإسرائيليين، أي بحسن إدارة استثمار تناقضاتهم وبتجنّب كل ما يمكن أن يسهل صعود اليمين المتطرف إلى الحكم، لما يحمله ذلك من مخاطر على وجودهم وقضيتهم خصوصا في هذه الظروف التاريخية العصيبة؛ والمعنى أن الشهرين المقبلين هما شهران حاسمان في التأثير على الناخب الإسرائيلي، وفي هذين الشهرين من المهم جدا للفلسطينيين أن يوضحوا أنفسهم للإسرائيليين، وأن يضعوا حدا لادعاءات شارون واليمين الإسرائيلي بشأن حرب الدفاع عن الوجود التي تمكنه من تغطية بطشه بالفلسطينيين وتحشيد الإسرائيليين من حوله، وذلك عبر طرح خطاب سياسي يتناسب مع هدف الحرية والاستقلال وعبر انتهاج وسائل نضالية تتلاءم مع هذا الهدف. بناء على هذه الأسباب، الداخلية والخارجية يمكننا الاستنتاج بأنه ثمة إمكانية واقعية للتغيير السياسي في إسرائيل، وأن الإسرائيليين الذين أداروا ظهورهم لنتانياهو في انتخابات 1999، لصالح باراك الذي رفع شعار الانسحاب من طرف واحد من جنوبي لبنان والاستعداد لإنجاز تسوية مع السوريين والفلسطينيين، يمكنه أن يكرر ذات الأمر في الانتخابات القادمة، بانتخاب متسناع بدلا من شارون؛ ولكن ذلك بالطبع يفترض تدخلا أميركيا فاعلا كما يفترض من الفلسطينيين، خصوصا، استثمار المؤشرات المذكورة في الاتجاهات الملائمة للتأثير على الإسرائيليين وإقناعهم بأن الأمن والسلام والاستقرار يتطلب التخلي عن غطرسة القوة والتخلص من الاستيطان والتحرر من الاحتلال. ـ كاتب فلسطيني