الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 رغم ما تتمتع به بعض برامج الفضائيات من غلاسة أحيانا.. وسماجة أحيانا أخرى.. وسخف وسطحية في معظم الأحيان، إلا ان هناك برنامجا معينا جمع ـ بعبقرية وشطارة مخرجيه ومقدميه ـ كل غلاسة.. وسماجة.. وسخف.. وسطحية البرامج المذكورة جميعا، ويزيد من غلاسته وسماجته أنه لا يطل علينا بسخافاته الا في رمضان، كأنما لم يكف الصائمين ما يلاقونه من متاعب الجوع والعطش والارهاق ـ وهو جوع وعطش وارهاق يثابون عليه ـ حتى يضيف المرتكبون لهذا البرنامج (الذي يدخل في باب السيئات) مشقة أخرى قد لا يتحملها الصائم.. ولا حتى المفطر..! البرنامج المذكور ورد الينا ضمن ما نستورده من الغرب والذي نتسابق على اقتباسه وتعريبه لمجرد انه جاء من ـ بلاد برّه ـ والذي يحمل اسم (كانديد كاميرا).. أي (الكاميرا الخفية) ـ واذا كان الذين اخترعوه وقدموه حرصوا ـ حرصهم على كرامة الانسان وحقوقه ـ على أن تكون مداعباته ـ اذا صح تسميتها مداعبات خفيفة قدر الامكان.. لا تحرج أحدا ولا تجرح أحدا، إلا أن عباقرتنا أبوا إلا ان يستنسخوا البرنامج كما تستنسخ عشرات البرنامج الاجنبية كل يوم على الطريقة الشرقية، فأضافوا اليه كل ما جادت به عبقرياتهم من توابل وبهارات لزوم تسخين الحلقات اضافة الى سطحية مذهلة هي كل حصيلتهم من الفن التلفزيوني حولوا بها المداعبات الى مشاحنات ومضايقات وخناقات، تمتد فيها الايدي والألسنة دفاعا عن أصحابها في مواجهة شخص شديد الغلاسة.. بارد الاحساس.. يقتحم طريق البسطاء ويصب عليهم جام غلاسته، مستغلا بساطة (الزبون) وسلامة نيته، وكلما احتد الحوار واشتد حصار الضحية وتوتر الموقف.. كلما أحس السيد الغلس (مقدم الحلقة) أنه حقق انجازا تلفزيونيا باهرا يحقق له موقعا مرموقا في موسوعة (جينس) العالمية... فرع (الغلاسة) طبعا..! هذا شحط يدعي العمى ويطلب عونك فتأخذك الشهامة وتأخذ بيده الى الجانب الآخر من الشارع لتفاجأ به يشكرك (تلاحة) متجها بعيون مفتوحة الى سيارته ليركبها تاركا إياك تلعن الشهامة.. وتقسم ألا تكررها مرة أخرى.. حتى ولو تأكدت ان طالب المعونة أعمى بحق وحقيقة..!! وهذا (فحل) يرتدي ملابس النساء ولا يخجل من باروكة حريمي تغطي صلعته، ولا من (لبانة) يلوكها بين شدقيه الملطختين بالروج الفاقع، يمارس مغامراته واقتحاماته المشبوهة مع خلق الله الغلابة.. راميا (جتته) على هذا او ذاك من البسطاء، مدعيا ان هذا يعاكسه (أو يعاكسها بحكم وضعه الجديد كحرمة لعوب).. أو ان ذاك خدش حياءه او حياءها بكلمة خارجة او بحركة لا أخلاقية، ثم لا يخجل بعد ذلك من خلع باروكته واظهار حقيقته كرجل.. ولا كل الرجال.. وبعد ان يكون دم الضحية قد (نشف)..! وهذا (بني آدم).. كما يفترض من شكله العام.. يبدو حائرا وهو يقف الى جانب سيارة على جانب الطريق.. ليطلب من عابر سبيل ان يساعده في كسر زجاج باب سيارته لانه نسي مفتاحها بالداخل وأغلق الباب وموتورها دائر، ولا يجد عابر السبيل أمام حيرة واستكانة (البني آدم) إلا ان يمسك بآلة حديدية محاولا كسر الزجاج ليفاجأ بصاحب السيارة الحقيقي (أو من يدعي ذلك) يصرخ طالبا الشرطة للقبض على الحرامي الذي يهم بكسر زجاج السيارة ليسرقها او ليسرق ما فيها، وبعد حوارات صاخبة ومتوترة بين من يَتهم ومن يُتهم وسط حشد من المارة، وبعد ان يكون عابر السبيل المسكين قد وقع في (حيص بيص) وهو يحاول مستميتا الدفاع عن نفسه.. لاعنا الشهامة وما قد تجره من مصائب.. يخرج مدبر المقلب ليقول للضحية بابتسامة لزجة: «ها ها.. انت كنت ضيفنا في الكاميرا الخفية.. ها ها.. ها ها..»!! ولا تخلو حتى الحلقات الاجنبية ـ رغم التدقيق في اختيار افكارها ـ من مواقف غاية في الحرج وغاية في الازعاج للمساكين الذين تصطادهم هذه الكاميرا الغبية ففي احدى الحلقات يدخل زبون عادي الى متجر للأدوات المنزلية فيلفت نظره صحن مزخرف على أحد (الاستاندات) التي احتشدت بأعداد كبيرة من اطقم الاكل والشاي، وما ان يلمس الصحن محاولا فحص نوعيته حتى ينهار (الاستاند) بكامل محتوياته لتتحطم العشرات من صحون الصيني والفناجين محدثة دويا في المحل الذي افترشته شظايا وبقايا الانهيار.. وليصاب الزبون المسكين بانهيار مماثل لاحساسه بفداحة ما ظن نفسه قد ارتكب عن غير قصد.. ولفداحة ما قد يتحمله من تعويض عن الخسارة التي تسبب فيها، ثم وهو يرى صاحب المحل والعاملين فيه.. بل وحتى الزبائن قد احاطوا به كمتهم ارتكب جريمة واستحق العقاب او التعويض، وقبل ان يصاب المسكين بسكته قلبية او يفقد الوعي.. يبرز (السمج الخفي) اليه ليطمئنه.. وليعلن له بفخر ان كل ذلك كان فقرة من فقرات الكاميرا اياها.. وأنه لن يتحمل اي لوم او يدفع اي تعويض..! (بعد إيه؟)! ولعل اكبر دليل على احساس القائمين على مثل هذه البرامج ـ ان كان لديهم احساس اصلا ـ بفداحة ما يرتكبون وفداحة ما يمكن ان يترتب على اقتحام الآمنين بهذا الاسلوب المزري والمهين لكرامة الانسان، أنهم يدققون في اختيار الضحية حتى لا يكون من ذوي الجاه او النفوذ.. او ممن يبدو عليهم أنهم قد يثيرون المشاكل لمن يتعرض لهم بهذا الشكل الاستفزازي، فلا يقع تحت طائلة كامرتهم إلا المساكين من البسطاء وعامة الناس.. الذين لا حول لهم ولاقوة، والذين قد يسعدهم بعد ان يشربوا المقلب ويتحملوا غلاسة مقدمه ان يوافقوا على عرض الفقرة التي مسحت ببراءتهم وبساطتهم الأرض..! ليس ذنب هذا البرنامج (التحفة) انه جاءنا من الغرب.. وليس ذنب من فكروا فيه هناك أنهم اخترعوه ونفذوه في اطار احترامهم لحقوق الانسان، بقدر ما هو ذنب من استنسخوه بغباء.. ثم نفذوه بغباء اكثر، ثم هو أولا وأخيرا ذنب الفضائيات التي تتسابق على انتاجه او عرضه دون اي احساس بحرمة اقتحام حياة الآمنين وازعاجهم لاضحاك المشاهدين على مواقف بايخة وسمجة تستبيح حرية وحقوق البشر..!