الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 أوشك شهر رمضان على الرحيل، بعد ان أحيا فينا قبساً من نور القرآن، وبدّد بنوره ظلمات اليأس، وشتّت صفوف المرجفين حاملي ألوية التيئيس، وجمّع صف المؤمنين بانتصار الأمة، رغم ضراوة الهجمة الصهيونية الصليبية الجديدة. فمن آيات شهر القرآن، انه يعلي من قيمة الارادة للفرد، وللأمة، عبر دروس يومية على مدار أيامه، يتعاطى خلالها الجميع تجربة قهر الغريزة عبر الصيام، واعلاء قدرة الروح والعقل، في صوم لا يقتصر على الجوع والعطش، بل يتعداه الى صوم الحواس، باطنها وظاهرها عن كل ما يغضب الخالق، ويتنافى مع صحيح القيم التي يراد لنا أن نتحلى بها، وفي مقدمتها الطاعة لخالق الكون، وصلاً لحياتنا الدنيا بالآخرة. وفي رمضان، تجربة يومية تتوحد فيها حياة المسلمين على اختلاف أقطارهم، ولغاتهم وأعراقهم، ويتحكم في مسارها ايقاع قرآني يختص به الشهر الفضيل، وتتلاشى الفروق والحدود التي تفصل بينهم، ولا يبقى سوى ما يوحدهم ويوحّد هويتهم كمسلمين، يتجمّعون حول مائدة افطار قوامها القرآن، الضامن الوحيد لثباتهم في وجه كل من يريد بالاسلام السوء، سواء عن جهالة أو تنفيذاً لمخطط معلن أو مستتر. وفي رمضان، تجربة نعايشها يومياً، وتتشرب فيها قيم المساواة والعدل، تتجاوز أهداف كل الدعاوى والمذاهب الارضية المبشرة بالانتصار للانسان، لكن عبر صراع مرير تنفجر خلاله حمم براكين الأحقاد في دورة انتقام لا نهاية لها. ولن نؤتي رمضان حقه مهما طالت الرسائل، ففيه نبع لا ينضب من النعم والقيم التي تكتشف مع كل دورة تاريخية. وفي أيامنا، فاض رمضان علينا بنعمة كدنا تحت طوفان التحديات والهجمات التي تستهدف أمتنا أن ننساها، وهي نعمة الثقة بمستقبل أمتنا ورسالتها. ونبع نعمة الثقة التي أحياها فينا رمضان هو القرآن، كتاب الله المنزل، ودستور ديننا الضامن ببقاء رسالة الاسلام مهما عصفت بنا العواصف، أو استحكمت دوائر أزمتنا، أو علت راية شياطين القوة والهيمنة. وعلى كثرة مبررات الثقة والتفاؤل التي يفيض بها شهر القرآن وقرآنه، يكفي ان نتفهم مغزى المشاركة الثرية في مسابقة جائزة دبي للقرآن الكريم، خصوصاً من الأقليات والشعوب المسلمة من غير الناطقين بالعربية، وبوجه أخص من أقطار تتعرض لهجمة شرسة تستهدف محو الاسلام وفك روابطه في تلك الدول. وكأن الرد الواقعي على هؤلاء المرجفين والمذعنين لسطوة الهجمة على الاسلام، تأتي من الأجيال الجديدة والنشء الذي يراد مسخ هويته وفك ارتباطه بدينه. وكل من تابع فعاليات جائزة دبي للقرآن الكريم في دورتها الحالية، أدرك قوة الانتماء، بل الجهاد الحقيقي للارتباط بالقرآن ولغته، كطوق نجاة أول وأخير من الغرق في بحر ظلمات الهجمة الغربية وإن تعددت شعاراتها وألوانها ما بين عولمة وحرب الارهاب. ويكفي ان القرآن والجهاد من أجل تعلمه وحفظه طوّع ألسنة أعجمية وأكسبها القدرة على نطق العربية ومنافسة ابنائها، بل التفوق عليهم في فنون النطق والتلاوة والتجويد، فضلاً عن حفظ كتاب الله الكريم... وأعاد الله رمضان علينا كل عام ببركاته ونفحاته الايمانية.