الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 عندما أُوقف مدير قناة الجزيرة القطرية في أحد المطارات الاميركية بحجة الاجراءات الامنية مع الاشخاص القادمين من الشرق الاوسط سأله أحد رجال الأمن عن رأيه في الارهاب وفيما إذا كان يؤيده أم لا؟ فقد كان سؤاله أكثر من ساذج! أما حينما سأله هل تعرف اسامة بن لادن؟ فقد أجاب محمد جاسم العلي «بأن العالم كله يعرف اسامة بن لادن، وبأننا في الخليج عرفناه عن طريقكم ـ يقصد الاميركان ـ لان أميركا هي التي صنعت ابن لادن وهي التي صدرته للعالم، وحينما خرج الصنم على أوامر الصانع، كان لابد من تحطيمه»!! وحينما التقيت مدير قناة الجزيرة منذ يومين في مكتبه في الدوحة، سألته عن صحة ما يقال عن تمويل أسامة بن لادن للجزيرة بما يوازي (10 ملايين دولار) سنوياً؟ فضحك قائلاً انه يشبه التمويل الذي تتلقاه الجزيرة من صدام حسين وحكومة «اسرائيل» والمخابرات الاميركية، انه التمويل الذي لم نره حتى اليوم ولكننا نسمع عنه كأخبار تتصدر الصفحات الأولى من صحف الخليج!! وقد هاجمت دوائر مسئولة في دول عربية عديدة قناة «الجزيرة» لسبب بسيط ومعروف هو ان هذه القناة قد فتحت ملفات في الشئون الداخلية لممارسات بعض الانظمة العربية كانت في حكم المحرمات، وكان الاقتراب منها والمساس بها امراً محظوراً يودي بصاحبه إلى التهلكة، ذلك ان الانظمة العربية والشعوب العربية لم تعتد على مواجهة أخطائها وانحرافات ممارساتها والتشوهات التي تعانيها منذ قرون! انها حقيقة يجب ان تقال، وقد قالتها قناة الجزيرة بصوت صارخ واحياناً (فاضح): الانظمة والشعوب العربية تعاني امراضاً كثيرة مصدرها الصمت على الاخطاء والقبول بالتجاوزات وهي امراض لا يسمح حتى بمجرد الكشف عنها، ناهيك عن علاجها، وعليه فهي تتفاعل تحت السطح منذ أزمنة بعيدة، وهي نفسها التي قادت وتقود المجتمعات العربية لكل الاشكاليات والازمات التي تعاني منها: العنف ـ الارهاب ـ التطرف ـ التخلف ـ الازدواجية ـ التناقض ـ تجاوزات حقوق الانسان..الخ. الجزيرة صوت مختلف في فضاء الاعلام العربي، تمتلك من المهنية القدر الذي يفوق بقية الاعلام العربي، وتمتلك من حرية الرأي ما لا يتوفر لغيرها، وهي لهذا تتحرك بطاقم قوي وادارة محترفة، وأموال جيدة! وتقول ما يجب ان يقال ـ وان كانت احياناً تتجاوز بعض الخطوط على لسان بعض ضيوفها ومذيعيها ـ لكنها في نهاية الامر حالة اعلامية عربية تؤرق الكثيرين ممن يعلمون يقينا انهم لن يتمكنوا من اللحاق بها لانهم لا يمتلكون شروط النجاح التي تمتلكها «الجزيرة» والتي اولها الحرفية الاعلامية العالية، وسقف الحرية العالي. الجزيرة ليست أكثر من مبنى صغير جداً، صالة تحرير لاتتجاوز (30ـ30 متراً) وثلاثة استوديوهات مع عدد محدود من الفنيين والاعلاميين والاداريين من اصحاب الخبرات الكبيرة، وعندما دخلت الى ذلك المبنى الصغير سألت مدير المحطة: هل أنت متأكد ان هذه هي (كل) الجزيرة؟ ضحك مجيباً: نعم هذه هي (كل) الجزيرة، فنحن لا نخبيء شيئاً في اماكن اخرى!! الجزيرة، قناة فضائية عربية، حركت بحيرة الاعلام العربي الراكدة، واثارت غيرة الكثيرين وحسدهم، كما أثارت نقمة الولايات المتحدة، وجعلت المشاهدين يتعلقون بها كمصدر جيد وسريع للاخبار والاهم ذو مصداقية وهذه هي دلائل النجاح الحقيقي، اما ان نختلف معها أو نتفق فهذا أمر طبيعي جداً لا يسييء إلى الجزيرة، ولا يسييء إلى المشاهدين ابداً!!