الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 أجل.. ان الولايات المتحدة حقا تبحث عن ذريعة لتسديد ضربة عسكرية ماحقة الى العراق والخوف كل الخوف هو ان توفر بغداد لواشنطن ـ دون قصد ـ مثل هذه الذريعة. هذا الاسبوع حاسم لانه يشهد «ركلة البداية» في عملية التفتيش الدولية عن اسلحة ومواد الدمار الشامل في العراق فالآن يكتمل وصول فرق التفتيش التي تضم في مجملها نحو 300 مفتش فني بعد ان اكتملت الترتيبات اللوجستية. وفي تزامن لا يمكن بحال ان يكون مجرد مصادفة بعث وزير الخارجية العراقي برسالة الى الامين العام للامم المتحدة يحذر فيها من نوايا الولايات المتحدة، حيث يقول الوزير ان واشنطن تريد استخدام قرار مجلس الامن الدولي الاخير بشأن استئناف التفتيش عن الاسلحة في العراق ذريعة لمهاجمة العراق. ان اغلب الظن وبناء على معطيات مرحلة التفتيش السابقة فإن الاراضي العراقية خالية تماماً او تكاد من الاسلحة النووية والكيماوية والجرثومية واذا افترضنا ان عملية التفتيش سوف تكون هذه المرة محكومة بمباديء النزاهة والشفافية فإن الولايات المتحدة لن تعثر على ذريعة في هذا المدخل. مما لاشك فيه اذن ان واشنطن عاكفة الآن على التفكير العميق في مدخل آخر.. ان لم تكن بالفعل قد عثرت عليه وتحتفظ به لفرصة ملائمة. هنا يخبرنا مفكر استراتيجي اميركي انه يتصور ان هذا المدخل يتمثل في استدراج بغداد الى ارتكاب فعل طائش يصلح ان يكون اساسا لتبرير غزو العراق. يقول دانيال ايلسبيرج ان في تصوره ان الادارة الاميركية سوف تغري العراق باسقاط طائرة اميركية اثناء احدى الطلعات التي تقوم بها اسراب الطائرات الاميركية فوق ما يسمى «منطقتي الحظر الجوي». ونعلم انه لمدى سنين متصلة ظلت اسراب الطائرات الحربية الاميركية تنطلق من قواعد جوية في المنطقة لتحلق فوق شمال العراق وجنوبه بحجة حماية الاكراد والشيعة في هاتين المنطقتين، ومن ثم فإن المنطقتين تعتبران بقرار اميركي احادي «محظورتين» سواء على طائرات العراق او دفاعاته الارضية. ونعلم ايضا ان قوات الدفاع الجوي العراقية ظلت تطلق مضاداتها الارضية على الطائرات الاميركية ولكن دون جدوى فالعلو الشاهق لتحليق هذه الطائرات لا يعادله إلا تخلف المضادات العراقية. وبالطبع فإن السلطات العراقية يراودها حلم باسقاط طائرة اميركية واسر طيارها لاستخدام ذلك كورقة مساومة سياسية في سعيها لوضع نهاية للحظر الجوي الاميركي وبالطبع ايضا تدرك واشنطن هذه الحقيقة. المفكر الاستراتيجي الاميركي دانيال ايلسبيرج يقول لنا ان واشنطن ربما تنصب فخا للعراق بتمكينه من اسقاط طائرة حربية اميركية، سوف تستخدم الادارة الاميركية اسلوب الاغراء.. فتخفض الطائرات الاميركية المحلقة فوق منطقتي «الحظر الجوي» من ارتفاعها شيئاً فشيئاً حتى تتمكن المضادات الارضية العراقية من اسقاط احداها «وغالبا تكون بلا طيار». وبمساعدة حملة اعلامية هستيرية بشأن هذا «العدوان» العراقي تكتمل لدى واشنطن ذريعة «الرد» على العراق. والسؤال الذي يطرح منذ الآن هو: هل تقع بغداد في مثل هذا الفخ؟ ان السلطات العراقية تعي بالطبع النوايا الاميركية المبيتة وتدرك ان مستشاري جورج بوش يواصلون الليل بالنهار في البحث عن اية حيلة للايقاع بالعراق. والمفترض اذن ان القيادة العراقية قررت ان تتسلح بأقصى درجات الحذر. ومع ذلك فإننا نقول ان بغداد يجب ان تفطن بصفة خاصة الى اسلوبي الاغراء والاستفزاز، فلا تستجيب لأي منهما.. فكلاهما من عمل الشيطان. فأي استجابة عراقية لحيل الاغراء او الاستفزاز الاميركية لن تؤدي الى تقوية حجة واشنطن فحسب بل ستؤدي بنفس القدر الى اضعاف حجة القوى الدولية الاخرى التي تقف الى جانب العراق وتشد من أزره ـ ونعني تحديداً فرنسا وروسيا. ومع بداية عملية التفتيش الدولية في العراق فإن العالم واميركا يركزان الانظار على بغداد: فالعالم يأمل ان تفي الحكومة العراقية بما وعدت به من «تعاون كامل» مع فرق التفتيش بينما تأمل اميركا العكس تماماً. انها تجربة دقيقة تتطلب من العراق مراعاة اليقظة اكثر من اي وقت مضى.