الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 هل تقول الولايات المتحدة الآن ما لا تنوي فعله تجاه العراق أو أنها تنوي فعل ما تقوله وما لا تقوله أيضا ؟!. السؤال مطروح في واشنطن وفي غيرها، وسيبقى مطروحا بقوة طيلة الشهور المقبلة، في ضوء ما يردده أقطاب الادارة الأميركية كل يوم تقريبا، وفي ظل الاتصالات التي يجرونها لاشراك دول أخرى (50 دولة للآن) في غزو العراق، وكذلك ما يسربونه الى أجهزة الاعلام عن خططهم المفصلة لتنفيذ هذا الغزو. صحيح أن واشنطن رحبت بالقرار الدولي حول استئناف مهمة المفتشين في العراق، بما في ذلك العودة الى المجلس قبل اتخاذ أية خطوة تالية، الا انها حرصت على تفسيره على طريقتها وادعاء انه يمنحها «حرية الحركة» في تلك الخطوة. وليس في القرار مثل هذا المعنى، فضلا عن أن الدول أعضاء المجلس والتي صوتت بالموافقة عليه تقول نقيض ذلك تماما. في اعتقاد نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز أن ادارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لن تستطيع لا اليوم ولا غدا أن تقف مكشوفة عارية أمام العالم كله بأنها كانت تكذب على الدوام بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق. لذلك فهو يرى أن هذه الادارة ستفعل المستحيل لتبرير عدوانها المقرر سلفا على العراق أيا كان التقرير الذي ستقدمه لجان التفتيش التي بدأت عملها أخيرا تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1441. في قول عزيز الكثير من الصحة، بل ان في الولايات المتحدة نفسها من يشاركه اعتقاده، ويرى ان واشنطن ستحاول - وقد بدأت فعلا منذ الآن - تطويق عمل المفتشين وحتى افشال مهمتهم من قبل أن تبدأ. نسف الشرعية قبل أيام، وتعليقا على اتهام العراق بخرق قرار مجلس الأمن الجديد لأنه قصف الطائرات الأميركية والبريطانية العاملة في منطقتي حظر الطيران، كتب كريس موني في مجلة «سليت» على موقعها على الأنترنت ان القرار الرقم 1441 الصادر في الثامن من نوفمبر، لا يعطي الولايات المتحدة حقا في توجيه مثل هذا الاتهام. اذ يدعو القرار العراق الى «أن لا يقوم بأعمال عدائية او يهدد بارتكاب أعمال من هذا القبيل ضد أي ممثل أو فرد تابع للأمم المتحدة، أو لأي من الدول الأعضاء فيها يتخذ اجراء من أجل التقيد بأي قرار من قرارات المجلس». وطبيعي أن الطائرات الأميركية والبريطانية ليست ممثلا للأمم المتحدة ولا هي تقوم بتنفيذ أحد قراراتها. ذلك أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يقول موني في مقاله، عمدت بعد انتهاء حرب الخليج الى اقامة منطقتي حظر الطيران شمالي خط العرض 36 وجنوبي الخط 32 حماية منهما، كما قالت يومها، للأقليتين الكردية والشيعية في المنطقتين. ثم أن هذه الدول - التي انسحبت منها فرنسا لاحقا - أستحصلت العام 1991 على قرار من المجلس هو القرار الرقم 688 الذي تحدث عن اضطهاد العراق للأكراد والشيعة وطالبه بالعمل على وقف «اضطهاد السكان المدنيين في العراق». يضيف الكاتب ان صحيفة «النيويورك تايمز» وصفت القرار 688 يومها بأنه وفر «تبريرا مشكوكا فيه» لاقامة منطقتي الحظر، ما دام لم يشرع عمليا استخدام القوة لوقف الممارسات العراقية. كما أن القسم القانوني في الأمم المتحدة أعلن العام 1993 انه لم يجد في أي من قرارات مجلس الأمن ما يعطي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حق انشاء هاتين المنطقتين، فضلا عن أن القرار نفسه لم يصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة لتنفيذه. وبهذا المعنى، فاتهام العراق بخرق القرار 1441 ليس سوى محاولة لنسفه ومعه طبعا مهمة المفتشين الدوليين حتى قبل بدء لجان التفتيش في تنفيذ هذه المهمة. إن حكاية ادارة بوش مع «محور الشر» الذي أسقطت منه في ما بعد ضلعيه الآخرين ايران وكوريا الشمالية، ثم مع اتهام النظام العراقي بالارتباط بتنظيم «القاعدة» والذي لم تستطع ايجاد دليل عليه، ثم مع الدعوة لتغيير هذا النظام والذي لم تعثر كذلك على مبرر قانوني أو دولي له، ثم أخيرا مع اتهامه بامتلاك أسلحة للدمار الشامل واستصدارها بالمساومة والتهديد بعمل منفرد قرارا من المجلس بالتفتيش عنها، لا تبعد بدورها عما ذهب اليه المسئول العراقي أو ما رآه الكاتب الأميركي. أكثر من ذلك فبوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد لا يقولون حاليا الا أن غزو العراق مسألة وقت فقط، وأن العراق يكذب هذه المرة أيضا لأنه لن يسمح للمفتشين بالقيام بمهمتهم على الوجه المطلوب، بل وأن دولا معينة تقول في العلن أنها ضد الغزو بينما هي في الواقع تقف الى جانب الولايات المتحدة وستشترك معها في الغزو بقواتها وبمالها وبالقواعد المقامة على أراضيها. في تصريحات هؤلاء جميعا، وفي الصحف الأميركية كذلك، مؤشرات يومية وحتى ساعة بساعة على هذا التوجه. وحتى قول البعض ان الغاية من التصريحات والتسريبات هي مواصلة الضغط على العراق من جهة وعلى لجان التفتيش من جهة أخرى لانجاز المهمة، لا يقوم بدوره كدليل كاف على أي توجه آخر. فلم يعد هناك مجال للشك في أن الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة تنطلق من اجتياح العراق واحتلاله من أجل فرض ما تسميه «الباكس أميركانا» فيها، وتاليا في العالم كله، أيا تكن الطرق المؤدية الى هذا الاجتياح والوسائل المستخدمة فيه. والمناورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي لاصدار قراره، وقبله الكونغرس الأميركي لاعطاء بوش تفويضا بعمل «ما يلزم» لتجريد العراق من أسلحته، انما تؤكد هذه الحقيقة ولا تخصم منها. تعدد الثغرات في ظل ذلك، بل وفي ظله وحده، ينبغي النظر الى التفاصيل اليومية للمهمة التي يقوم بها المفتشون الدوليون عندما يبدأون عملهم في العراق، وأساسا الى النوايا الكامنة من وراء ردود الفعل الأميركية والبريطانية على هذه التفاصيل. وعمليا ففي القرار 1441 ذاته، كما يبدو من قراءته، أكثر من نقطة ستحاول واشنطن ولندن الدخول منها على خط لجان التفتيش من أجل تعقيد المهمة التي تقوم بها. واذا كانت البداية هي مسألة الرد العراقي على تحليق الطائرات في منطقتي حظر الطيران فمن المؤكد أنها ستتطور الى مسائل أخرى في الأيام والأسابيع المقبلة. في البند الثالث من القرار يرد النص التالي الذي يبدو واضحا انه يمكن تحميله ما قد لا يحتمل: «ان حكومة العراق يتعين عليها، كي تبدأ الامتثال للالتزامات المتعلقة بنزع السلاح، اضافة الى تقديم الاعلانات المطلوبة كل سنتين، أن تقدم الى لجنة الرصد والتحقق والتفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية والى المجلس، في موعد لا يتجاوز 30 يوما من تاريخ هذا القرار، بيانا دقيقا ووافيا وكاملا عن الحالة الراهنة لجميع جوانب برامجها الرامية الى تطوير أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية وقذائف تسيارية وغيرها من نظم الأيصال من قبيل الطائرات التي تعمل من دون طيار ونظم نشر المواد الاشعاعية المعدة للاستخدام على الطائرات، بما في ذلك أي مخزونات من هذه الأسلحة ومكوناتها ومكوناتها الفرعية ومخزونات العوامل والمواد والمعدات ذات الصلة واماكنها المحددة وأماكن وأعمال مرافق البحوث والتطوير والانتاج فضلا عن جميع البرامج الكيميائية والبيولوجية والنووية الأخرى، بما في ذلك أي برامج تدعي أنها منشأة لأغراض لا تتصل بأنتاج الأسلحة أو موادها». ولا حاجة لاكتشاف ان لدى الولايات المتحدة هنا الكثير مما تقوله في هذا الصدد. الا أن الولايات المتحدة، وهي واضعة نص القرار، كي تؤكد هذا التوجه في تفسيره ثم ربما في تفسير التفسير لاحقا، فانها ترفقه ببند رابع يقول بالحرف ما يأتي: «يقرر (المجلس) أن تقديم العراق بيانات زائفة، أو اغفاله بعض الأمور في البيانات المقدمة عملا بهذا القرار وامتناعه بأي وقت عن الأمتثال لهذا القرار والتعاون الكامل في تنفيذه سوف يشكل خرقا جوهريا اضافيا لالتزامات العراق وسوف يبلغ الى المجلس لتقييمه وفقا للفقرتين 11 و 12 أدناه». وفي ما سبق ثغرة أخرى لن تجد واشنطن غضاضة في دخولها، خصوصا وأن اتهامها للعراق بالكذب والتزييف قد سبق حتى صدور القرار اياه. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، اذ ينص القرار في البند العاشر منه على ما يأتي: «يطلب (المجلس) الى جميع الدول الأعضاء أن تقدم الدعم الكامل للجنة الرصد والتحقق والتفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية لأداء ولايتيهما بجملة طرق منها توفير أي معلومات لها صلة بالبرامج المحظورة او بالجوانب الأخرى من ولايتيهما، بما في ذلك معلومات عن أي محاولات بذلها العراق منذ العام 1998 للحصول على مواد محظورة، وعن طريق التوصية بالمواقع التي يتعين تفتيشها، والأشخاص الذين يتعين مقابلتهم، وشروط هذه المقابلات، والبيانات التي يتعين جمعها، وتقدم لجنة الرصد والتحقق والتفتتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية الى المجلس تقريرا عن نتائج هذه العملية». وطبعا ستكون الولايات المتحدة، حتى لو كانت وحدها، هي المبادرة لتقديم «الدعم الكامل» هذا من خلال تزويد لجان التفتيش بـ «المعلومات عن البرامج المحظورة.. وبغيرها من المعلومات عن محاولات بذلها العراق منذ العام 1998 للحصول على مواد.. وبالتوصية بالمواقع التي يتعين تفتيشها» الخ.. وفي ذلك كله «تبريرات» للغزو الأميركي الذي عجزت ادارة جورج دبليو بوش عن ايجاد تبريرات قانونية دولية او منطقية له حتى الآن. وبعد القرار الدولي الرقم 1441.. قبل العدوان الأميركي على العراق، تتجه الساحة الدولية الى أن تشهد ما يمكن وصفه بأنه مجرد «هدنة» تنتهكها عمليات «اطلاق نار» كثيرة ومتنوعة.. وهنا وهناك. فالحرب لم تضع أوزارها، برغم كل شيء، بدليل ما تقوله ادارة بوش علنا وما تقوم به عمليا على الأرض. ـ كاتب لبناني