الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 بعد احداث 11 سبتمبر 2001 شهد العالم حملة مكثفة ضد الشبكات الارهابية في اوروبا واميركا ومختلف بقاع العالم، والغرض من الحملة هو تفكيك الشبكات الارهابية، التي تخطط لضرب اهداف ومصالح اميركا وحلفائها في جميع انحاء العالم، اجهزة الامن في اميركا والدول الاوروبية ودول كثيرة اخرى شنت عمليات دهم واسعة اسفرت عن اعتقال مئات الاسلاميين المشتبه في تورطهم في العمليات الارهابية التي تحدث في العالم. السؤال الذي يهمنا في هذا الموضوع هو: اين كانت اجهزة الامن في اوروبا واميركا عندما دخلت هذه الجماعات أراضيها؟ ومن سمح لهذه الشبكات ان تستقر في الدول الاوروبية وتكون لها شبكات لجمع الاموال وشراء الاسلحة وتصديرها الى الدول المستهدفة من الارهاب؟ اين كانت اجهزة الامن الاوروبية منذ 1990 عندما كانت الجماعات الارهابية تخطط وتنفذ تحت عيون المخابرات الاوروبية واجهزة امنها؟ لماذا اهتمت اميركا واوروبا فجأة بالشبكات الارهابية؟ اين كانت اميركا واوروبا باجهزة امنها ومخابراتها عندما كانت الشبكات الارهابية تتفنن في اصدار المنشورات والمطبوعات ومختلف اشكال الدعاية وعندما كانت تظهر على الفضائيات وتسوق افكارها وآراءها على الهواء؟ عرفت الجزائر مطلع التسعينيات منعطفا خطيرا منذ استقلالها بقيت تداعياته قائمة حتى اللحظة حيث دخلت دوامة من العنف ابتداء من سنة 1992 بسبب توقف المسار الانتخابي. منذ ذلك الحين عاشت الجزائر العشرية السوداء التي راح ضحاياها عشرات الآلاف من المواطنين الجزائريين الابرياء، معظمهم عزل ولا حول ولا قوة لهم ولا دخل لهم فيما يجرى في الدوائر السياسية والاقتصادية الجزائرية، ولا بما يتعلق بالصراع على السلطة وغير ذلك من الألاعيب السياسية التي قد تبتعد في غالب الاحيان عن عالم الاخلاق والمنطق. الجزائر بمختلف شرائحها الاجتماعية عانت الكثير وكانت ضحية اللعبة السياسية العالمية التي تبنتها الولايات المتحدة الاميركية لتفكيك الاتحاد السوفييتي والقضاء على الثنائية القطبية ومن ثم انفراد العم سام بقيادة العالم. والغريب في الامر ان العالم بأسره كان يتفرج على ما يجري في الجزائر وكأن الامر عادي وطبيعي وكأنه مجرد انعكاس لظروف داخلية جزائرية لا دخل للمتغيرات الدولية والخارجية فيها، والغريب في الامر ان الارهاب لم يعرف مساحة معتبرة ووافية في الرأي العام العالمي وفي وسائل الاعلام العالمية إلا بعد احداث 11 سبتمبر 2001، وكأن ما كان يحدث في بقاع العالم المختلفة لم يكن ارهاباً وكأن الدول الاوروبية واميركا لم يكن لها علاقة بالقوى التي كانت تستعمل الارهاب لغة للسياسة والدبلوماسية والعالمية. القواعد الخلفية ان اميركا واوروبا سمحتا تحت شعار الديمقراطية وحرية التعبير وحرية الرأي واللجوء السياسي الى اصناف واشكال من الارهابيين وقطاع الطرق والمهمشين لدخول أراضيهما واصبحت واشنطن ولندن وبروكسل وباريس وروما وكولون ومدريد وعواصم ومدن تأوي اشكالاً وانواعاً من الاسلاميين والسياسيين الذين يعملون في ضوء النهار على استغلال المساجد ومراكز تجمعات المهاجرين المغاربة والعرب لجمع التبرعات والاموال لشراء الاسلحة لمساعدة «المجاهدين» في الجزائر. والاخطر من هذا ان الدول المعروفة بمساندتها للارهاب لعبت دورها كما شاءت وقدمت كل انواع الدعم لهذه الشبكات وسمحت لها باصدار مطبوعات ونشرات للدعاية والتضليل وتزييف الحقائق، وتجدر الاشارة هنا الى ان اميركا والدول الاوروبية واجهزة امنها ومخابراتها كانت تعلم كل شيء عن هذه الشبكات، لكن نزولاً عند مصالحها وخدمة لمصالح الصناعات الحربية وتجارة الاسلحة ومصالح اخرى سياسية واستراتيجية فإنها لم تحرك ساكنا، بل كانت تغازل في ضوء النهار هذه الشبكات وكانت تحاول استعمالها قدر الامكان للضغط على النظام في الجزائر وللدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. ففي بداية الازمة الجزائرية لعبت الدول الاوروبية واميركا ورقة الجبهة الاسلامية للانقاذ ايماناً ان هذه الحركة ستفوز بالانتخابات وتصبح القوة الحاكمة في الجزائر. من جهة أخرى حاولت اميركا والدول الاوروبية تجنب تجربتها مع الثورة الاسلامية في ايران والتي كلفتها الكثير. لكن سرعان ما تيقنت الدول الاوروبية واميركا ان حساباتها كان خاطئة وان الجزائر ليست ايران وان ما يحدث في الجزائر هو مجرد اعمال ارهابية تتستر بالاسلام ولا تقوم على قاعدة ايديولوجية واضحة ولا على برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي بإمكانه تقديم البديل للشعب الجزائري وللمشاكل التي تعاني منها الجزائر. مرحلة الطلاق في هذه المرحلة لم تفكر الدول الاوروبية واميركا في تفكيك الشبكات الارهابية التي كانت تستعمل العواصم الاوروبية كقواعد خلفية لها لتنظيم عمليات القتل والبطش والاغتصاب والسلب وانتهاك حرمة الاطفال والنساء والعجزة والفتيات، بالنسبة لاوروبا واميركا هؤلاء الضحايا لا يمثلون شيئاً دامت مصالحها مضمونة ومصانة. الامر اختلف تماما بعد احداث 11 سبتمبر حيث ان هذه المرة اصبح الامر يتعلق بأرواح بشرية اميركية واوروبية وليس بأرقام فقط كما كان الامر بالنسبة لضحايا الارهاب في الجزائر وهكذا وفجأة اصبحت اجهزة الامن الاميركية والاوروبية وفي مختلف انحاء العالم نشطة وفعالة واكتشفت ان هناك فوق اراضيها مجرمين وارهابيين وقطاع طرق، وتجسدت فجأة اطروحة الكيل بمكيالين والتعامل مع الارهاب بطرق واستراتيجيات مختلفة. لقد طالبت الجزائر في العديد من المرات ومنذ اندلاع الازمة في سنة 1992 الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية ان تأخذ موقفاً من الشبكات الارهابية التي كانت تنعم بكل التسهيلات وبكل الامكانيات اللوجستية لتنظيم العمليات الارهابية داخل الجزائر لكن مطالبها لم تحظ بأي اهتمام من اي طرف. لكن عندما قامت الجماعات الارهابية ببعض الجرائم والعمليات الارهابية في فرنسا بدأت هذه الاخيرة تحاصر الارهابيين بعدما حرقت بالنار التي كانت تلعب بها، وبدلا من تضييق الحصار على الارهابيين داخل اراضيها راحت الدول الاوروبية وباسم الاتحاد الاوروبي تطالب الجزائر بالسماح لها بالقيام بالتحقيق في المجازر البشعة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الجزائريين، والغريب في الامر هنا ان الدوائر السياسية والاستراتيجية الاوروبية صدقت ان الحكومة الجزائرية وقوات الامن الجزائري هي التي تقوم بهذه المذابح والمجازر لكنها لم تصدق ان في الساحات العمومية وفي المساجد وفي لندن وباريس وبروكسل تجمع اموال وتبيض اموال وتبرعات لشراء الاسلحة والمعدات للقيام بهذه الجرائم. الاتحاد الاوروبي ممثلاً بلجنة خاصة اقتنع في نهاية الامر ان الجرائم والمذابح هي من فعلة قطاع مجرمين وارهابيين يستغلون الاسلام لتحقيق مصالحهم، الجزائر طالبت في العديد من المرات بمؤتمر دولي للارهاب لوضع النقاط على الحروف وكشف المستور واولئك الذين يتلاعبون بالارهاب لتحقيق مصالحهم لكن مطالب الجزائر وكذلك مصر لم تلق صدى في اوروبا وأميركا. وعندما انكشفت الاوراق واصبحت الشبكات الارهابية تشكل خطراً على أميركا والدول الاوروبية نفسها خاصة بتورط الدول التي تصدر الارهاب على المستوى العالمي وبتغلغلها في اوساط هذه الجماعات ومحاولة التحكم فيها وتوجيهها حسب مصالحها وكذلك ببعض العمليات الارهابية التي نفذها بعض الارهابيين في اميركا واوروبا، قررت اميركا والدول الاوروبية وباحتشام تغيير استراتيجيتها واعلان الطلاق من الشبكات الارهابية، وهنا نتساءل اين المباديء والمواقف في العلاقات الدولية؟ واين الاخلاق خاصة عندما نعلم ان مجموعة كبيرة من كتابنا وفقهائنا ومحللينا السياسيين لم تحرك ساكناً امام عملية التفتيش الواسعة التي شنتها اجهزة الامن الاميركية والاوروبية ضد الشبكات الارهابية والتي راح ضحيتها بدون شك مئات الشباب الابرياء الذين لا ضلع لهم في الموضوع من اساسه ولكن دفعوا الثمن لا لشيء إلا لأنهم عرب او من اصول عربية او لان لهم سمات عربية. ـ كلية الاتصال، جامعة الشارقة