الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 خبر تناقلته وكالات الأنباء ولكنه لم يجد له مكانا مناسبا في الصحافة المطبوعة، فالبيان الذي وقعته حوالي 200 شخصية من مختلف الدول العربية والذي اتهم الولايات المتحدة الأميركية بشن حرب صليبية على الإسلام وحذر من أن شن أي حرب على العراق قد يثير ردود فعل انتقامية ضد أهداف غربية، لم يأخذ حجمه الحقيقي في وسائل إعلامنا، ولا اعلم السبب !! لقد وقع على هذا البيان علماء وساسة وأكاديميون ومثقفون من السعودية ومصر والكويت والمغرب، وقالوا إن كل بادرة عدوان على الأمة أو استخفاف بها سوف تفتح أبوابا من الجهاد والمقاومة الشرعية العادلة التي ستنتهي بدحر قوى الشر الغازية من صليبية وصهيونية بإذن الله عز وجل. لقد صدق البيان، فأبواب الجهاد قد فتحت عند البعض، وبدأت بوادر انتفاضة عارمة تهز المنطقة وقد تغير من شكلها، فشكلها ليس مقدسا، بل هو نتاج قلم وورقة كانا بيد مستعمر قوي قرر أن شكلها لا بد أن يكون هكذا منذ حوالي ستين سنة مضت. بدأ شكل ضعيف من أشكال المقاومة بالظهور مع الهجوم الذي قام به كويتيان على الجنود الأميركان أثناء المناورات في جزيرة فيلكه في بداية شهر أكتوبر، ثم تبعه مقتل الدبلوماسي الأميركي في الأردن في أواخر الشهر ذاته، ثم إعلان الكويت إحباط هجمات مخططة على منشآت غربية فيها، حتى مقتل الممرضة الأميركية في صيدا يوم 21/11 وإطلاق النار على جنديين أميركيين في الكويت في نفس اليوم، مرورا بتفجير مطاعم أميركية في بيروت وحرق أحدها في السعودية، والمقاطعة المنظمة ضد كل ما هو أميركي في الدول العربية، إذن هناك حالة استنفار بدأتها الشعوب العربية قبل حكوماتها التي تحاول جاهدة إرضاء الجانب الأميركي بدون طائل. أعلنت الولايات المتحدة أنها أرسلت رسائل الى كل من مصر وسوريا والأردن واليمن ولبنان ودول مجلس التعاون لتحديد كيفية المساعدات والتسهيلات التي ستقدمها هذه الدول لواشنطن فيما لو شنت حربها على بغداد، وأمهلتها شهرا واحدا لتلقي الردود بهذا الشأن، ولكنها لم تقل ما الذي ستقوم به في حال رفضت بعض هذه الدول الرد أو كان ردها سلبيا. من الواضح أن الرسائل التي وزعتها واشنطن كانت رسائل تهديد ووعيد اكثر منها رسائل طلب مساعدة، فالمهلة عادة لا تمنح بهذا الشكل إلا لتحديد الموقف وإعلانه إما خوفا أو رغبا، ولا أظن الدول العربية المذكورة بيدها رفض الطلب الأميركي، مع أن القاهرة قد ذكرت بأنها ترفض الدخول في تحالف لضرب العراق. إن الوقاحة والصلف وسوء التقدير الذي يسبق السياسة الأميركية في المنطقة لم يترك هامش مناورة لأصدقاء واشنطن، بل تصر الإدارة الأميركية على معاملتهم بقسوة لا يحسدهم عليها أعداؤهم، وكأن الولايات المتحدة الأميركية تريد سحب البساط من حلفائها السابقين أو تحطيم شرعيتهم وتأليب شعوبهم عليهم، فبعد الهجوم الصاروخي الذي قامت به الطائرة الأميركية على الناشط الإسلامي اليمني قايد الحارثي ورفاقه بشكل سافر يشكل انتهاكا لسيادة دولة عربية، هبطت طائرات الهليكوبتر الأميركية في مكان الحادث ونقلت أجسادهم إلى جهة غير معلومة لتحليلها، بعدها أعلنت القيادة الأميركية أنها قامت بذلك بعلم السلطات اليمنية التي حاولت التملص من المسئولية في البداية لكن البيان الأميركي جعلها في مأزق لا تحسد عليه مما اجبرها على السكوت وترك تفسير ما حدث للناس. لقد توصل الناس للتفسير الذي يرضون عنه، فقد بدأت الهجمات على بعض زعماء القبائل الذين يشك في انهم لعبوا دورا في الحادث، وألقيت قنبلة على بيت ضابط في المخابرات اليمنية، وامتلأت قلوب الناس حقدا وثأرا على بعض، وقد يخرج الأمر عن سيطرة القيادة اليمنية، وهذا أمر لا يتمناه أحد، ولكنه يصب في سوء التقدير الأميركي تجاه المنطقة وشعوبها. إن حاجز الخوف والتردد الذي يفصل بين المقاومة والاستكانة واه ضعيف يحتاج الى بعض الشجاعة لكسره، حينها يبدأ الطوفان ويهون الموت، وهذا الحاجز لا يحتاج سوى لمجموعة شجاعة تتقدم لهدمه ليتبعها السواد الأعظم من الناس، ويصبح التخلف عن الركب حينئذ عيبا وسوأة لا يتحملهما أحد، ومنطقتنا العربية بها الكثير من المجموعات التي ستفخر بالقيام بهذا الدور. إن الردود التي ستتلقاها واشنطن بعد رسائلها تلك لدول المنطقة، لن يجعل الجيش الأميركي يشعر بالأمان اكثر مما يشعر به الآن، والبيان الذي سبق ذكره يستبق الرد الحكومي الرسمي ليحدد موقف الشعوب الاكثر صراحة وصرامة، إذ أن مخزون الكراهية في قلوب الشعوب ضد واشنطن وسياستها المساندة لإسرائيل لن تزيله تلك الردود، فالشعوب بدأت تتأثر وتميل إلى نخب أخرى أعلنت أنها لم تعد تحتمل سياسة الذل التي تريد واشنطن من الجميع الاستسلام لها. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com