الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 مر شهر رمضان الكريم على خير، ولم تنظم الاذاعة حفلا قرآنيا واحدا وكانت في الماضي تقوم بتنظيم حفلة على الأقل مرة كل أسبوع، أحيانا في مسجد الحسين وأحيانا في المسجد الزينبي. وقد تكون الاذاعة لديها بعض الحق في الامتناع عن إقامة هذه الحفلات لأن الأصوات الموجودة على الساحة ليست على المستوى الرفيع المطلوب. ولكن توفير هذا المستوى وتقديم أصحابه الى المجتمع هي مهمة الاذاعة وأجهزة الاعلام كلها. وأنا أعلم أن مصر بها شباب من المقرئين الموهوبين، وبرهن بعضهم على نبوغه من خلال مسابقات دولية، وأذكر أنني قدمت أحدهم في برنامج تلفزيوني منذ عدة سنوات وكان رأي كبار المشايخ ـ مثل الطبلاوي ونعينع ـ أن الشيخ الشاب صاحب موهبة تستحق العناية والرعاية. وقد اتصلت به منذ فترة، أطلبه لاحياء أحد المآتم بالجيزة، وقالوا لي انه ذهب ليؤدي واجب التجنيد بالقوات المسلحة، ومن لحظتها وانقطعت الصلة بيني وبينه، وإن كنت ما أزال مؤمنا بأن هذا الشاب سيكون من أبرز رجال دولة التلاوة. ولكن حالة «الطناش» الموجودة في أجهزة الاعلام، الى جانب سلوك لجنة القراءة، وهو سلوك عليه تحفظات كثيرة من جميع المقرئين، لدرجة أن الشيخ الطبلاوي صاحب الحنجرة الذهبية، لم يتمكن من النجاح في أول امتحان ولكنه نجح في الامتحان الثاني، ما الذي حدث بين الامتحان الأول والثاني، الشيخ الطبلاوي لا يخفي شيئا ولكنه يقول كل شيء ويضع النقط فوق الحروف. وإذا كان هذا يحدث مع شيخ في مرتبة الطبلاوي، فما الذي يحدث مع شباب المقرئين؟ ولعل هذا هو السبب في جفاف دولة التلاوة هذه الأيام. المهم أنني تابعت في الفترة الأخيرة صلاة الفجر في مسجد السيدة نفيسة، وهي الصلاة التي تنقلها الاذاعة. وقد لاحظت ارتفاع المستوى لدرجة أن مقرئ الفجر الذي استمعت إليه كان الشيخ أحمد الرزيقي، وقد تعرفت عليه منذ أكثر من ثلاثين عاما مع الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وقد قدمه الشيخ عبدالباسط على أنه النجم الواعد في دولة التلاوة. وقد أثبتت الأيام حسن ظن الشيخ عبدالباسط يرحمه الله. وصار الشيخ أحمد الرزيقي من قراء الصف الأول في دولة التلاوة. الشيء الذي يلفت الأنظار هو عدم حدوث أي موجة جديدة في عالم الإنشاد الديني والتواشيح، دعك من شلة «البكاشين» الذين قلبوها محزنة ومأتم.. وبكوا وأبكوا الناس معهم، فما يفعلونه حرام وليس من الدين في شيء. واذا كان قد لمع بين مشايخ هذه الأيام عدد من أصحاب الأصوات المميزة، على رأسهم الطبلاوي ونعينع وأحمد الرزيقي وعبدالعاطي ناصف إلا أنه لم يظهر بين المنشدين صوت واحد جديد. وآخر الأصوات المبهرة في هذا المجال كان صوت الشيخ سيد النقشبندي الذي اختطفه الموت فجأة ورحل قبل الأوان، ثم جاء الشيخ عمران ولكنه مات فجأة ورحل ولم نستمتع به إلا فترة قصيرة من الزمان. لم أستمع لصوت في دولة الإنشاد الديني يرقى الى أصوات المشايخ القدامى، ولا أعرف سببا لغياب هذا اللون.. مع أن دولة الإنشاد أنجبت عباقرة خلدهم الزمان، وبقوا أحياء في أسماع المسلمين. ويكفي أن الشيخ علي محمود هو الذي أسس هذه المدرسة العظيمة وفتح لأفرادها الطريق في بداية القرن العشرين. وقد وصفه الشيخ محمد الصيفي ذات يوم بأن صوته كان من الذهب، ولا يمكن مقارنة صوته بأصوات الآخرين.