الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 دائرة الزمن تدور على جميع المخلوقات في هذا الكون صعودا وهبوطا وليس الانسان وحده من ينطبق عليه القول الشهير «يوم لك ويوم عليك» فلقد دارت الدنيا على الفيل، الذي يعتبر الحيوان الوحيد الضخم المتبقي على الكرة الارضية من الحيوانات البرية العملاقة. هذه الدائرة قلصت من دور هذا الحيوان الذي كان يحظى بشأن ومنزلة رفيعة لدى الانسان منذ قديم الزمان حيث كان مركوب الملوك ومقاتلاً صلداً في الحروب لدرجة أن العرب قالت قديما: «لا ينبغي أن يرى الرجل الفاضل الا في مكانين ولا يليق به الا أحدهما: اما مع الملوك مكرما واما مع النساك متبتلا كالفيل انما بهاؤه وجماله في مكانين: اما في برية وحشية واما مركبا للملوك». أما اليوم فقد جار عليه الزمن وأصبح محصورا في حديقة للحيوان أو خيمة للسيرك!! لقد كان الفيل في أيام عزه مقاتلا في الحروب والمعارك ولعل أشهر جيش استخدمت فيه الأفيال جيش ابرهة الاشرم الذي أراد هدم الكعبة بفيله فجعله الله عبرة لمن لا يعتبر وأنزل فيه آيات تتلى الى يوم الدين. كما ورد في الأخبار عن يوم القادسية ويوم جسر مهران وقيس الناطف وجلولاء ويوم نهاوند عن مشاركة الفيل الأبقع والفيل الأسود والفيل الأبيض الذي يقال ان الخيل لا تستطيع اللحاق به. واستخدم الفرس والعرب أيضا الفيلة في الحروب وكان أمير المؤمنين المنصور هو أشهر من امتلك الأفيال من العرب حيث كان يمتلك 40 فيلا كذلك كانت الفيلة عند حمير والتتابعة والعباهلة من ملوكهم والكيسوم من أولاد الحبشة وعند ملوك سبأ مقربة مكرمة. ويدل على ذلك الأشعار المعروفة والاخبار الصحيحة حيث قال الأعشى لما ذكر حضرموت وملوك سبأ وسيل العرم»: ففي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب عنى عليها العرم رخام بنته له حمير اذا جاء ماؤهم لم يرم فأردى الحروث وأغبابها على ساعة ماؤهم قد قسم وطار الفيول وفيالها بتيماء فيها سراب يطم وللفيل قتال وضرب وخبط بقوائمه ولعل أغرب ما ورد عن اتقان الفيل للقتال هو ما قام به أفراد في الهند من تعليم الفيلة القتال حيث كانوا يدربونها على أنواع الحروب حتى كانوا يربطون السيف الشديد المتن التام الصقل الطويل في طرف خرطوم الفيل ويعلمونه كيف يضرب أماما ويمينا وشمالا!! كما أن الاكاسرة كانوا يستخدمون الفيلة في اعدام المجرمين والخارجين والاعداء حيث تم تدريبها على ذلك فاذا ألقي اليها الرجل تركت العلف وقصدت نحوه فداسته وكان أشهر من رمي به تحت أرجل الفيلة النعمان بن المنذر. وعلاوة على دوره القتالي كان الفيل رمزا للعلياء والشموخ والعزة فكان مركوب الملوك في المناسبات وأيام الزينة وكانت للأفيال شأن ومكانه فقالوا عنها: «ثلاثة أشياء فضل ما فيها متفاوت فضل المقاتل على المقاتل والفيل على الفيل والعالم على العالم». وقيل أيضا: «ان الكريم اذا عثر لا يستعين الا بالكريم كالفيل اذا وحل لم يستخرجه الا الفيلة». ولعل الصفات المميزة لهذا الحيوان الضخم حببت الناس والملوك فيه فهو معروف بفطنته وهو يفهم أضعاف ما تفهم الكلاب والقطط وحتى الفرس والحمار ومن صفاته الغريبة أن كل حيوان على الارض ذو لسان فأصل لسانه الى داخل وطرفه الى خارج ، الا الفيل فان طرف لسانه الى داخل وأصله الى خارج. وفي ذلك يقول الهنود ان لسان الفيل مقلوب ولولا أنه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم!! كما أن الفيل يشترك مع الانسان في صفة لا يشترك معهما فيها أحد من الكائنات ، فما من ذكور جميع الحيوان له ثدي في صدره سوى الانسان والفيل!! والغريب أيضا أن هذا الحيوان على ضخامته والتي يصل فيها وزنه الى 45 أطنان ويقتات حوالي 200 كلغ من النباتات الا أنه أملح وأظرف وأحكى حيوان وهو يفوق في ذلك كل خفيف الجسم ورشيق الطبيعة في الوقت ذاته فانه أقوى جميع الحيوانات في حمل الأثقال وليس في حوامل اناث الحيوان أطول مدة من حمل أنثى الفيل. وهو أطول الحيوانات عمرا وقد يعمر الى 200 عام وقد زعم أنه ظهر فيل في قديم الزمن عاش 400 عام!! أما ما يميزه شكلا عن باقي الحيوانات هو الخرطوم الطويل الذي يعتبر أنفاً ويداً في آن واحد وينتهي الخرطوم في فيل أفريقيا بزائدتين صغيرتين قادرتين على الأخذ بينما لدى الفيل الآسيوي زائدة واحدة وتساعد هذه الزوائد الفيلة على الامساك بالكثير من الأشياء وادخالها في شدقها الواسع الرحب. وفي خرطوم الفيل تحديدا قام فريق من العلماء الفرنسيين حديثا باجراء دراسة تفصيلية على الخرطوم فتبين انه يحتوي على 500 عضلة مما يساعده على ازالة العقبات من طريقه كما يستطيع امتصاص 10 ليترات ماء في آن واحد. ومع عظم بدن الفيل فهو جيد السباحة ويقوم باخراج خرطومه ورفعه في الهواء لأنه أنفه يتنفس منه. وربما قدرة الفيل على السباحة كانت بداية الشكوك التي راودت عدداً من الباحثين من أن هذا الحيوان الضخم كان في الأصل مائيا!! حيث قام فريق جامعة ملبورن الاسترالية بدراسة ستة أجنة لفيلة من أفريقيا بالعدسة الكبرة فاكتشفوا عددا من الخصوصيات التي تتميز بها الحيوانات البحرية الفقرية منها وجود أقنية كلوية على شكل قمع قريبة من الأقنية الموجودة في بعض الأسماك والضفادع!! وبعد هذا كله أحسر دور الفيل اليوم وانتهت اسطورته القتالية وأصبح الملوك لا يحتاجونه للخروج والتباهي الا أنه ومع ذلك فان لا غنى للانسان عنه خاصة في بعض الأمور المستجدة منها ما حصل في الهند حين أضيفت مهمة سياسية له عندما أدرجت السلطات المحلية في ولاية أسام المضطربة الفيل ضمن آليات اجراء ومراقبة الانتخابات واستخدم الفيل كوسيلة مضمونة ومؤمنة لنقل آلات التصوير الالكتروني وآلات فرز الاصوات من مدينة سونابور الى القرى التالية المعزولة وتم تفضيل الفيل على السيارات لثقة السلطات في قدرته على حماية المعدات الانتخابية وصناديق الاقتراع حيث يخشى من المتشددين الانفصاليين وعناصر العنف بطش الفيل ولا يجرؤون على الاقتراب منه!!