الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 عودة إلى موضوع تطوير العمل الخيري الذي عرضناه في زاوية الاثنين، ووقفنا على بعض مقدماته الدالة على حرص المؤسسات الخيرية، على تقديم صورة جديدة لأنشطتها وبرامجها خلافاً للصورة النمطية السائدة عن ادائها في اذهان الناس، والذي جعل من العلاقة بين المتبرع بالمال وبين تلك المؤسسات علاقة محدودة لا تتعدى مجرد القيام بدور الوسيط الأمين على مال المتبرعين الذي يضعه في ايدي المستحقين إليه، معتقداً أنه لم يعد ثمة دور جديد يمكن ان يلعبه في مؤسسته الخيرية. وقد جاء شعار (الزكاة سعادة) الذي استحدثه بيت الزكاة الكويتي ليقدم رؤية جديدة لمعاني الاحسان والصدقة مبنية على فلسفة حديثة تعتبر أكثر قدرة على تكوين تصور جديد في ذهن المسلم حول الآثار السريعة والمباشرة التي تعود على المتصدق بالمال الذي عرف ان العطاء سعادة وراحة بال وليست اخذاً ولا انقاصا للمال. وإذا ما أرادت تلك المؤسسات الخيرية ان تجعل المجتمع يقف وراءها داعما لها ومساندا لأهدافها فان عليها ان تعي قبل غيرها ان ثمة أدواراً اخرى عليها ان تؤديها من اجل تحقيق غايتها وان تلك الأدوار تتعدى في طبيعتها دور الوسيط النزيه بين المانح والآخذ، الى العناية باشاعة ثقافة العطاء بين عموم أفراد المجتمع، بكل ما يستدعى ذلك الهدف من ادوات ووسائل مبتكرة قادرة على جذب المشاهد اليها، بل واقناعه بجدوى وضع ماله لديها لما يرى من مصداقية، وشفافية في المنهج الذي تؤدي من خلاله رسالتها الخدمية والاغاثية. والعمل الخيري اليوم بحاجة الى اساليب فعالة تتفوق على الاساليب القديمة ذات الطابع الوعظي المباشر، والذي ألفه خطباء المساجد ومندوبو الجمعيات الخيرية، وأصبح السمة الطاغية على طبيعة الخطاب الذي تقدمه تلك الجهات، وقد كان ذلك الاسلوب جيدا في البداية، ومقبولا من اجل لفت نظر الجمهور الى تلك المؤسسات والى اهدافها الطموحة، لكن مع مرور الوقت اصبحت تلك الوسائل اضعف من ان تقنع الفرد العادي بايداع اموال صدقته لديها، الامر الذي ينبغي تداركه واصلاحه من خلال جملة من المشاريع الحديثة التي تهدف الى مخاطبة نزعة الخير في نفوس الناس عن طريق اقناعهم وليس مجرد اثارة انفعالهم للحظة خاطفة سرعان ما تنتهي لتعود بعدها القطيعة بين الطرفين، وانشغال كل بحاله وشئونه!! ولان الدعاية والاعلان اصبحت اليوم واحدة من اكبر وسائل تحديد الاتجاهات وتشكيل اذواق المتلقين، فيمكن النفاذ الى جهاز التلفاز من اجل هذا الغرض، الى جانب استخدام الوسائط الترويحية الحديثة في توصيل الرسائل التي تبعثها تلك المؤسسات الى افراد المجتمع، من خلال جملة من الافكار والبرامج الهادفة، والتي تقف على رأسها المواقف التمثيلية التي تعتبر وسائط قادرة على اثارة فضول المشاهد وحمله على الجلوس ومتابعة ما يعرض على الشاشة التلفزيونية فيما لو توفر النص الجيد المكتوب القادر على رفع وعي المشاهد، واقناعه بأهمية المشاركة في تنفيذ اهداف تلك المؤسسات. ولسائل ان يقول ومن أين تأتي تلك الجهات الخيرية بالمخصصات المالية اللازمة لتنفيذ تلك الاعمال؟ والاجابة الشافية عن هذا السؤال تنقسم الى جزءين، الاول يدعو الى اهمية انشاء مشاريع انمائية يكون ريعها وقفا على تلك المؤسسات، واحسب ان اغلبها قد قطعت شوطا جيدا في هذا الجانب الا انها تحتاج الى مزيد من الافكار حول وسائل تطوير تلك المشاريع في المستقبل. اما الجزء الثاني من الجواب فيتعلق بضرورة ايجاد آلية عمل مرنة تستثمر الفرص المتاحة، بل وتخلقها من اجل تحقيق اهدافها الكبرى. وتعتمد هذه الآلية على مد جسور التواصل مع الشركات التجارية التي بتنا اليوم نراها تلبس أثوابا متعددة من اجل الترويج لمنتجاتها الاستهلاكية والامثلة صارت اكثر من ان تحصى على تعميم هذه الظاهرة في الكثير من الانشطة والبرامج التلفزيونية سواء كانت برامج حوارية او اخبارية او برامج منوعات، واخيرا رأيناها ترعى مسلسلات تلفزيونية مما يدفعنا الى التساؤل عن سر تأخر الجهات ذات الهدف الجاد والمثمر عن الدخول الى الميدان نفسه والوصول الى تلك النوعية من المؤسسات لترعى برامج تحترم عقل المشاهد، وتجيب عن تساؤلاته وتحوله من مستهلك للثقافة الهشة، الى مستثمر للثقافة الواعدة التي يتحول من خلالها الى موقف الشعور بالمسئولية والرغبة في اداء الواجب.