الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 من أنواع الطعام التي تبرز في رمضان «المخلل» بكل أنواعه، تماما مثل الكنافة والقطائف، لكن الفرق شاسع. فالمخلل حادق، لاذع، يسبق الطعام الرئيسي لفتح الشهية، أما الكنافة والقطائف فمن أشهر أنواع الحلوى الرمضانية التي تلي الطعام، بل ان كنافة رمضان لها مكانة مغايرة لارتباطها بالشهر الكريم، كذلك المخلل، تنتشر المحلات المتخصصة في إعداد المخلل بالقاهرة القديمة، لا يشعر بها أحد طوال العام. واجهاتها تزدحم بأوعية زجاجية يبدو منها «اللفت» و«الخيار» و«الليمون» و«الزيتون» و«البصل» بأحجامه، وربما يبدو العمق الداخلي للمحل حيث البراميل الخشبية التي يتم فيها حفظ المخلل لشهور طويلة، يظل للمخلل البلدي مذاقه الخاص مهما طرحت الشركات المتخصصة في أصناف الطعام أنواعا شتى منه في عبوات أنيقة، هذه المحلات تظل متوارية طوال العام الى أن تحل الأيام السابقة على رمضان فيتضاعف المعروض من مخزونها. كذلك زبائنها، أما المشهور منها بجودة التخليل فلابد من الوقوف أمامها وقتا بين الزحام للحصول على المطلوب، بعض الأنواع لا تحتاج الى جهد معقد، أو وقت طويل، يتم اعدادها في البيت، ومما كانت أمي - رحمها الله - تتقنه اعداد الباذنجان الأسود، النوع المستطيل منه، يتم شق الثمرة منه الى نصفين بعد سلقها في الماء الى حد معلوم، وحشوها بالبقدونس المفروم مع الثوم المعجون وملح وفلفل ويوضع في أواني بها ماء مختلط بخل وملح، أما الطماطم فأمرها سهل، إذ يكفي شق الثمرة، وحشوها بالمواد نفسها، أما الليمون والزيتون فيحتاج الأمر الى وقت أطول والى تقنيات أعقد. «المخلل» وشهر رمضان يستدعيان الى ذاكرتي شخصين من القاهرة القديمة، الأول هو البولاقي، لا أعرف اسمه الثاني. بل لا أعرف اذا كان هذا اسمه أم لقبه، كان الوالد - رحمه الله - يرسلني اليه، أعطيه قرشا أو اثنين لأحضر «المخلل» اللازم لرمضان. لم يكن للبولاقي دكان، إنما كان يضع مائدة من الخشب أمام بيته الذي يقع في شارع حبس الرحبة بالجمالية، بالضبط أمام مقهى البنان، الذي يمسك بناصية شارع قصر الشوق، رغم أن شارع حبس الرحبة طوالي، إلا أنه مثل كل الشوارع الرئيسية في القاهرة القديمة لا يمضي مستقيما، بل متعرجا. لذلك يبدو عند حد معين وكأنه مغلق، وتلك خاصة في المدن العربية كلها. في تقديري لها أسباب منها ما يتصل بالبيئة إذ أن هذا التعرج يؤدي الى الحد من اندفاع الرياح شتاء، وامتداد الظلام صيفا، كما أن له هدفاً نفسياً، إذ يهون على الماشي قطع المسافة، إن انقسام الشارع الى مراحل فيه وعد دائم بالوصول، وعند بلوغ النقطة التي يبدو فيها الطريق مغلقا ينفتح على مسافة أخرى، هكذا يتجدد المنظر كل مئة متر تقريبا. هذا يمنح المقيمين في المكان خصوصية وشعوراً خاصاً بالمكان، هكذا تبدو الحميمية في أيام رمضان والأعياد فكأن الطريق امتداد للبيت، للأسرة، إنها حميمية التقارب والألفة التي توفرها المدن القديمة لساكنيها من مغرب وطننا العربي الى أقصى مشرقه، من الذين كنت أرقبهم منذ طفولتي مع حلول رمضان «البولاقي»، إنه أحد الشخصيات المرتبطة بالشهر الكريم تماما مثل عم «حسن» المسحراتي، وصوت زوزو نبيل التي كانت تؤدي دور شهرزاد في المسلسل الاذاعي «ألف ليلة وليلة» التي كان يكتبها طاهر أبو فاشا، لم يكن التلفزيون قد دخل الى حياتنا بعد بفوازيره ومسلسلاته. سنوات متتالية أرقب البولاقي وأتأمله وأتعامل معه فقط عندما أشتري المخلل، لم أتبادل معه الحوار، أخبره فقط عما أريد، فيتطلع اليّ من خلال عينين عميقتي السواد محدقتين، نافذتين، وسرعان ما يمسك الطبق الفارغ الذي جئت به ويلبي طلبي، كان البولاقي موظفا حكوميا في جهة ما، ربما كانت السكك الحديدية، يبدو محددا صموتا، لا يخالط هذا أو ذاك، لا يجلس بالمقهى، لكنه مهذب يرد التحية بأحسن منها، لا يظهر كبائع مخلل إلا في شهر رمضان فقط، في أول أيام الشهر الكريم يخرج المنضدة المستطيلة، يرص فوقها قدوراً فخارية، وأوعية زجاجية كبيرة «برطمانات» وأطباقاً عميقة كبيرة، في الأواني المغلقة الزيتون الأخضر المخلل، والليمون الذي طال حفظه غامق الصفرة، والبصل بأحجامه الصغيرة والكبيرة واللفت بنوعيه الأحمر والأبيض، أما الأطباق المغطاة بقماش خفيف من الشاش فيرقد داخلها الباذنجان الأسود، والطماطم، وشرائح الخيار، والفلفل بأنواعه، النحيل الطويل، والغليظ. يبدأ البولاقي البيع منذ العصر، لا أدري.. هل بعد عودته من وظيفته، أم أنه كان يحصل على إجازة طوال شهر رمضان من أجل المخلل، كان حضوره أمام البيت الذي يسكن الطابق الأول منه مهيبا، كان نحيلا، أبيض البشرة، غامق الشعر، أنيقا في ملبسه، أراه ماضيا الى عمله في حلة كاملة ذات صديري حتى الصيف، لكن في رمضان يرتدي جلبابا أبيض، ناصع البياض، يشمر أكمامه، لا يمسك الثمار المخللة بأصابعه، بل بملقاط معدني، أو مغرفة، واذا مد أحد الزبائن اصبعه مشيرا الى نوع معين، يحذره من لمس المخلل، كان يبدو كطبيب أتم تعقيم أدواته استعدادا لاجراء جراحة دقيقة، وعندما يرص الباذنجان أو الطماطم يبدي العناية الفائقة، أذكر أنفاسه التي كان يستنشقها بقوة عند انهماكه شأن من يستمتع بعمل ما. الحق.. إنني لم أعرف مذاقا مماثلا لمذاق المخلل الذي يعده البولاقي، خاصة الزيتون والخيار واللفت، أما الباذنجان فكان يحشوه بخلطة لم أعرف لها مثيلا حتى الآن. ولعله آثر أن يجعلها سرا لم يطلع عليه أحد، ويبدو أن مذاق الباذنجان جذب آخرين لذلك تعاظم الطلب عليه، ويبدو أن بعض المشاهير والشخصيات المرموقة من المصلين في مسجد الحسين سمعوا به، كذلك مشاهير تجار خان الخليلي والصاغة، والنحاسين، لذلك أصبح الصنف الوحيد الذي يجب حجزه مقدما قبل يوم واحد على الأقل، الباذنجان المخلل، ويبدو أنه لم يستجب لكل المطالب التي أوصته بزيادة الكمية، خلال سنوات متعاقبة منذ أن عرفته في طفولتي لم تتغير الكمية التي يعرضها، قبل المغيب تنفذ معظم الأصناف، الباذنجان أسرعها، عبر سنوات عديدة لم أره يتخلف يوما واحدا في رمضان، قبل الافطار بدقائق يدخل الى بيته، ويترك المنضدة فوقها الأواني الفارغة أو الممتلئة، بعد العشاء يجمعها، ولا يظهر الى اليوم التالي. هكذا أصبح البولاقي من الأسماء الشهيرة باتقان ما نقدمه من طعام، مثل الدهان في اللحمة، وأبوحجر في الفول، والخضري في البسبوسة والكنافة، أسماء ذاع صيتها وانتشر في القاهرة القديمة وقصدها الناس. لم يشتهر إلا صنف واحد خارج مخلل البولاقي، إنه ليمون عم حسن المسحراتي. عم حسن من سكان حارتنا، قصير القامة، نحيل، محدوب، بعينيه حول، منذ أن فتحت عيني على الدنيا وبالنسبة لي هو المسحراتي، مسحراتي حارتنا، وحتى الآن إذا ما ذكر المسحراتي يستدعي الى ذهني عم حسن على الفور، فهو مرجعية هذه الشخصية الفريدة المتصلة برمضان، لم أعرف السبب الذي جعله يقوم بالتسحير في رمضان. وربما ورث ذلك عن والده، كان عمله متصلا بالمزادات، يقصد مزادات القصور والبيوت القديمة، ويشتري التحف والأشياء الغريبة، ثم يضعها في مخزن عميق يقع تحت مسجد محمود محرم المطل على شارع حبس الرحبة والقائم عند مدخل درب المسمط حيث المدخل الثاني لقصر المسافر خانة الذي احترق منذ أربع سنوات. داخل هذا المخزن يحتفظ عم حسن بإناء زجاجي لم أعرف له مثيلا في أي محلٍ للمخلل أو أي مكان آخر، مستطيل، طوله حوالي متر وعرضه حوالي ثلاثين سنتيمترا، كان يحجبه طوال العام، ثم يظهره في أول أيام رمضان مليئا حتى الحافة بالليمون المخلل الذي استغرق تخليله سنة كاملة، لم أكن أعرف هل يحتفظ بوعاء آخر داخل المخزن يمد منه الوعاء الزجاجي أم أنها الكمية التي أراها أول أيام رمضان وتنفذ مع آخر أيامه، في آخر أيام رمضان، مع ثبوت رؤية هلال شوال يدخل الإناء الى أغوار المخزن المجهولة ولا يظهر إلا في السنة التالية. كما أني لم أعرف مثيلا لباذنجان البولاقي، لم أعرف حتى الآن مثيلا لليمون حسن المسحراتي، لطول مكثه في الوعاء ينتفش، يصبح حجم الليمونة قريبا من البرتقالة لتشربها بالماء المالح المزود بالكمون والبهارات والملح والخل والعصفر ذو البذور الصفراء التي تلين وترق وترصع قلب الليمونة التي تتفرطح ويتسع حجمها بتأثير التضاغط والالتصاق بالجدار الزجاجي، كانت رائحة الليمون نفاذة، تنبثق من الوعاء الى فراغ الطريق، كان يبيع بالثمرة، والليمونة الواحدة كانت تكفي لاعمار مائدة بعد تقسيمها، مجرد قطعة منها تفي بالغرض، تفتح الشهية، وتمد الجسم بالأملاح التي فقدها خلال الصوم وهذا أحد أسباب افتتاح المائدة بالمخلل بعد تناول عصير المشمش «قمر الدين» كلاهما مصدر طاقة لازمة، سكر وملح. كعادتي في رمضان مضيت عصرا في القاهرة العتيقة، مشيت في نفس الطرقات التي سعيت فيها صبيا، حارة الوطاويط، شارع حبس الرحبة وصولا الى بوابة النصر.. المشاهد التي تسبق آذان المغرب لم تتغير، طبعا لم أر البولاقي، ولا عم حسن المسحراتي، لكن رأيت آخرين يقفون وراء أواني المخلل، ربما ترك بعضهم ذكريات في حواس الأطفال الذين يشترون منهم تترك عندهم آثارا تماثل تلك المستمرة عندي، الباقية معي.