الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 محنة الشعب العراقي الشقيق حاليا ولأجل غير مسمى ليست غياب الديمقراطية وانما حضور الحصار. ومع ذلك لابد أن نشيد بمبادرة النظام الحاكم نحو اعداد دستور جديد، يسمح بالتعددية الحزبية والحريات العامة ومن بينها حرية الصحافة. هذا التطور المدهش سمعنا خبره مقرونا بتطور آخر لا يقل إدهاشاً. فقد وصل إلى بغداد وفد من إحدى فصائل المعارضة العراقية في الخارج من أجل الحوار مع السلطة. وما ان اجتمع وفد «التحالف الوطني العراقي» برئاسة عبدالجبار الكبيسي مع نائب الرئيس العراقي عزت ابراهيم في بغداد حتى أبلغهم ان رئيس الجمهورية عينه على رأس لجنة مكلفة باعداد دستور جديد للبلاد وان هذا الدستور سوف يسمح بالتعددية ويكفل الحريات العامة. هذه الزيارة التاريخية لفصيل من المعارضة لم تنطلق من فراغ.. قد جاءت ثمرة للقاء سابق لم يعلن عنه في حينه في مكان ما في أوروبا بين «التحالف الوطني» وممثلين عن الحكومة العراقية. وكون ان هذا اللقاء الخارجي الاستهلالي أسفر عن موافقة الفصيل المعارض على ارسال وفد الى بغداد لمواصلة الحوار فان هذا يعني انه قد جرى كسر الجليد وإحداث اختراق ايجابي. ان النظام الديمقراطي التعددي بحرياته العامة في مجالات التعبير والتنظيم وقضائه المستقل وسيادة القانون، هو بالطبع الأفضل لاي بلد في اي زمان أو مكان رغم ما يرافق تطبيقه من سلبيات. لكن أولوية الشعب العراقي اليوم ـ والتي يجب ان تعلو على اي أولوية ـ هي التحرر من حصار قاس يشتمل على نظام عقوبات مجرد تماما من الرحمة. العراق الآن دولة بلا سيادة فعلية. ولمدى 11 عاما متصلة ظل هذا البلد العربي العريق وشعبه ذو الحيوية والتقدم الحضاري والعراقة التاريخية خاضعاً للسيادة الأميركية باسم الأمم المتحدة. بسبب نظام العقوبات طويل الأمد لم تعد مؤسسة الدولة في العراق تملك اي قدر من السيطرة او تمارس اي حد أدنى من النفوذ السلطوي المشروع على الموارد الوطنية للبلاد سواء على صعيد الدخل أو صعيد الصرف. فاللجنة الدولية للعقوبات التي يتمتع فيها ممثل الولايات المتحدة ـ جنبا إلى جنب مع ممثلي القوى الدولية الأخرى الأربع الاعضاء في مجلس إلامن الدولي ـ بحق «الفيتو» هي وحدها التي تقرر معدلات الانتاج النفطي العراقي.. وتقرر كيفية الانفاق وأوجهه من اي دولار من العائدات المالية للصادرات النفطية العراقية. وعن طريق هذه الآلية الخبيثة تتحكم الولايات المتحدة (ومعها بريطانيا) عن طريق استخدام «الفيتو» في المستويات المعيشية للأسر العراقية لتجعلها على الدوام دون مستوى الكفاف. العراق اذن في حالته الراهنة بلد خاضع لاستعمار اقتصادي يكرس بؤسا اجتماعيا في أوساط الشعب العراقي بمختلف فئاته. الأولوية الأولى هي اذن كيف يتحرر الشعب العراقي من هذا الاستعمار؟ هذا هو السؤال الأكبر الذي يجب ان تطرحه المعارضة العراقية على نفسها. وإذا طرحته بأمانة وصدق ووطنية فانها لن تجد إلا إجابة واحدة: ضم الصفوف العراقية داخل جبهة موحدة عريضة لمواجهة الولايات المتحدة. لكن المشكلة انه لا يمكن افتراض الامانة والصدقية والوطنية في غالبية فصائل المعارضة الناشطة في الخارج. فقد باع قادتها انفسهم لواشنطن واضعين انفسهم في خدمة أجندتها.. وهي أجندة تبدأ وتنتهي بحماية اسرائيل.. لقد برأ فصيل «التحالف الوطني» نفسه بقبوله التحاور مع بغداد. وحبذا لو قام هذا الفصيل بتطوير بادرته الوطنية في اتجاه السعي لاستقطاب فصائل معارضة اخرى لفكرة الجبهة الوطنية العريضة للتحرر الوطني من الاستعمار الأميركي. واذا وجدت هذه الفكرة قبولا بدرجة ما فان الخطوة التالية ستكون وضع برنامج وطني للوقوف ضد نوايا واشنطن ومخططها الشرير لابقاء العراق دولة بلا سيادة وحذفه من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. ان مثل هذا التطور سوف يؤدي إلى دعم جهود القوى الدولية المتعاطفة مع قضية العراق مما يفضي إلى تسريع الجهود الرامية إلى فك الحصار.