الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 مع انقضاء سنتين على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية ونحن في شهر رمضان المبارك لسنة 1423هـ، لابد للمسلم عموماً وللعربي تحديداً ان يقف وقفة اعتبار وتأمل وتقييم وليكتشف بأن التضحيات لم تذهب سدى وان الشهداء الابرار لم يموتوا هدراً.. وبأنه في الاخير لابد ان يتحقق وعد الله الحق في سورة التوبة الآية 32: «ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره الكافرون». فنحن نشهد في عواصم الاتحاد الاوروبي وفي بعض مدن اميركا ذاتها وفي اغلب ارجاء العالم الثالث، صحوة حضارية تتمثل في المظاهرات ضد الطغيان الاحادي الذي يناصر الصلف الاسرائيلي ويغذيه وشيئا فشيئاً تتحول قضية فلسطين في هذه العشرية الاولى من القرن الحادي والعشرين الى القضية المحورية في العالم وفي عيون الانسانية، كما كانت قضية الجزائر في الخمسينيات وقضية فيتنام في الستينيات وقضية التمييز العنصري في جنوب افريقيا في السبعينيات.. تتحول الى الملف الاول امام الضمائر وتملأ ادبيات الفكر والندوات والاعلام كقضية عادلة لابد ان تجد حلاً عادلاً. وهذا كسب عظيم وهذه بشارة خير. ولقد احسناً عملاً حين لم نيأس ولم نقنط بل كنا مع آلاف سوانا نزرع الامل والرجاء، وفي قلب تفجير جنين واجتياح الضفة وتدمير بيت لحم وتهويد القدس وقتل الاطفال.. لانه لا نصر بدون شهادة.. والعالم ليس صخراً اصم او جداراً سميكاً.. فلا بد ان تخترقه صورة الشهيد محمد الدرة وهو يسقط بريئاً طاهراً في احضان والده، ولابد ان توقظ ضميره صور الشهداء الرضع حين تنحني الام لتقبيل جبينهم وصورة الشباب الذي يهاجم دبابة بحجر. كل هذه الاضاءات من الملحمة الكبرى لابد ان تفعل مفعولها الجبار على النفوس المؤمنة اينما كانت وكيفما كانت اديانها ومعتقداتها.. فهي زلزال الحق يدك الباطل دكا. فالمظاهرات التي تخرج في باريس وفلورنزا ومونتريال وسيول لتقول لا للحرب ضد العراق ولا لحروب النفط ولا لعودة الاستعمار المباشر ولا لابادة شعب فلسطين من الرد العالمي الطبيعي الذي صنعته التضحيات التي تساندها الضمائر العربية المسلمة في كل مكان ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر، كما قال شاعر الامل والارادة ابو القاسم الشابي منذ سبعين عاما. اما المكسب الثاني الثمين فهو انقلاب الموازين على ساحة المواجهة في فلسطين فأصبح المجاهدون يستهدفون اكثر فأكثر المراكز العسكرية والجنود والضباط مما ادخل الفزع في نفوس المحتلين الصهاينة واربك مخططاتهم واشهد الرأي العالم العالمي على شرعية المقاومة ضد الاحتلال واغتصاب الارض. واعتقد ان هذه العمليات الفدائية الموفقة التي تضرب المواقع العسكرية سوف تضطر العدو الى اتباع اخف الضررين بالنسبة اليه اي البحث عن حل سلمي عوض الاعتماد على القوة العمياء.. فهي لا تجدي. والبشائر واضحة لدى الرأي الاسرائيلي فقد اختار الصقور العتاة وهذه آخر طلقاتهم لكبت انفاس الشعب الفلسطيني ولم ينجح الصقور العتاة: شارون وموفاز ونتانياهو في قهر الشعب المصر على حقه.. وماذا بعد؟ اما الشق العمالي من السياسة الاسرائيلية فقد اختار لزعامته رئيس بلدية يافا المعروف بميله للحلول المنطقية من وجهة نظرهم اي التفاوض واعطاء فلسطين حقها. واصبحت اسرائيل تعاني برغم الاغداق الاميركي من البطالة والفقر والهجرة من ارض فلسطين المحتلة الى مصادر الهجرة الاصلية لان اسرائيل لم توفر لا الامن ولا الرزق لمئات الآلاف من اليهود المغرروين. اما المكسب الثالث والاهم فهو هذا الحزم الذي شهدناه تدريجيا في المواقف الرسمية العربية بوحي من شوارع وضمائر العرب. فقد كان اجتماع وزراء الخارجية العرب تحت ظلال الجامعة العربية مختلفا عن خطاب الواقعية والسلام الذي عودونا عليه، لان اللحظة التاريخية حاسمة و«الطرق واضحة» والنصر قريب مهما بدا بعيد المنال، ولعلنا نأمل خيرا في اجتماع العرب حول خطة نصر.. بدلا من اجتماعهم حول خطة سلام لا يريده الاسرائيليون ولا يطلبونه بل انهم امام الاشهاد يمزقون وثائقه ويدمرون البيت الذي رفعه معهم اي ياسر عرفات في مقره الانقاض برام الله، فالسلام من جانب واحد هو استسلام وخير منه الف مرة المقاومة ونصرة المقاومة والرهان على المقاومة وهل هناك طريق آخر؟ تلك هي بشائر النصر، تهل علينا مع شهر رمضان المبارك من العام 1423هـ ونحن امام تحديات عدو غاشم جائر استحل الحرمات وعاث في الارض فساداً، يستند الى نظام عالمي غاشم وجائر هو الآخر تحركه قوى الاستعمار الجديد بمصالح النفط والتجارة السوداء التي لا ترحم من منهاتن الى تل ابيب. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@ hotmail.com