الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 في العمل السياسي هناك أكثر من قراءة للظاهرة السياسية، ولهذا تتعدد القراءات والتفسيرات التي يختلف الناس عليها في الظاهرة الواحدة، وتصبح مجالا للمنازعات، إلا أن تفسير الظاهرة و الاختلاف عليها لا يعني عدم الاتفاق على نتائجها، فعدم الاتفاق على حجم النتائج يقود إلى الاجتهادات المتعاكسة في وضع الحلول، ويؤدي بالتالي إلى تفاقم الظاهرة، خاصة إذا تحولت من السلوك أو القول إلى الفعل المسلح الذي يودي بحياة الناس. والتفسير الذي أُعطي ـ حتى الآن ـ لظاهرة الاعتداء على الجنود الأميركان في الكويت بأنه إعتداء شخصي، أو ناتج عن خلل في عقل من قام به ـ أي من شخص «غير مُكلف» ـ هذا التفسير قد يقدم راحة وقتية لمن يقول به، وقد يبرر أرجاء الحسم السياسي فيه، و لكنه لا يساعد على فهم المشكلة التي تواجه المجتمع، ولا يقدم تفسيرا مقنعا للظاهرة التي تعدت الآن الفردية لتصبح شاملة وذات مردود سلبي لا خلاف حوله يطال المجتمع ككل، ويُعرض أمنه للاهتزاز، وعلاقته الدولية للتذبذب ومستقبله للخطر. فالمجتمعات لا تخلو ممن لديهم خلل عقلي، ولكن أن يستهدف مثل أولئك هدفا بعينه بعد متابعة وترصد، فان العقل الراجح ينفي أن نكون في مواجهة خلل عقلي أو اضطراب نفسي، بقدر ما هو فعل مقصود. ومن المؤكد أن مثل هذه الظاهرة تتعدى فرديتها ومن قام بها كشخص، بعد حادثة مشابهة في جزيرة فيلكا، و أحداث عديدة فيما بينهما، لتصيب هدفاً اكبر هو ترويع القوات الموجودة على ارض الكويت وحصرها في أماكن بعينها، وإشاعة شعور أن الأرض التي تقف عليها وتتحرك منها هي أرض معادية، يجب الحذر منها و النظر إلى كل شاردة وواردة فيها على أنها شر مستطير، وهي عملية نفسية لها مردود سلبي كبير يتعدى حجمها و ينسجم مع الأهداف المعروفة للعمليات الإرهابية. فكيف سيتسنى لقيادة تحيط بها هذه الأجواء أن تقوم بواجباتها التي تعاقدت مع الدولة ـ الكويت ـ للقيام بها وبرضى الجميع، فيما هي تشعر أنها في بيئة معادية لا تعرف من أين يأتيها الضرر؟ محاولة للفهم مثل هذه الظاهرة تعطي لا شك انطباعا قويا في الاعلام العالمي أن هناك «مقاومة» من نوع ما للقوات الأميركية على الأرض، وهي مقاومة لم تلحظها هذه القوات في أماكن كثيرة من العالم، ولا في أماكن عديدة من العالم العربي حيث لها وجود. فالقوات الأميركية موجودة على كثير من الأرض العربية، و لا تعاني من مشكلات أمنية، كالتي تتطور على أرضنا، بل هي تقوم بمناورات مشتركة مع جيوش عربية على امتداد الساحة من المحيط إلى الخليج، وهذه المناورات علنية تنشر أخبارها في وسائل الاعلام، ولم يتقدم «مخبول» واحد لتعطيل سيرها. ليس الاختلاف هنا على أن الحوادث من هذا النوع لا تحدث أو أن احتمالها ضعيف، و لكن الخلاف هو في تفسير الظاهرة، واعتبار كل حدث معزول عن غيره وغير مرتبط به، بينما الاعتراف بأنها سلسلة متتابعة ومترابطة من الاحداث، وليست عفو الخاطر أو مزاجية، يقربنا من فهمها، وبالتالي من التحرك المنطقي لمواجهتها. وهذا ما لم تصل إليه القناعة بعد لأسباب كثيرة. في التحليل لفهم الظاهرة هناك دون ريب جو من الحماس المضاد للوجود الأميركي، غير مبرر وغير مقنع للكثيرين، ولكنه موجود وقائم ومن الخطأ نكرانه، فالقوى المنظمة المعادية للتعاون مع الأميركيين تُغذي كل يوم هذا الشعور العدائي، بطريقة أو بأخرى ومن أكثر من مصدر،، تارة باسم قضية قومية هي فلسطين، وتارة باسم قضية عقيدية هي حرب الكفار، أو أخيرا بما يتوقع أن يحدث في العراق ، وهو أمر منتشر في مؤسسات كثيرة تعليمية وعلمية وسياسية وإعلامية، بل هو يبنى بسهولة على قناعة راسخة وقديمة ومتجذرة استجابت لها شريحة من الشباب وتم غض الطرف عنها لفترة طويلة من الزمن، وأخذت هذه المدرسة من التفكير تقدم ما تؤمن به على انه «مقاومة»! في قلب هذا التحليل رؤية البعض بأن الحملة على العراق، أن حدثت، فهي مقدمة لتقليص أدوارهم وسحب البساط من تحت أرجلهم، بعد أن أصبحوا بفضل هذه الدعاوى شيوخاً معممين وربابنة إفتاء مسيطرين على منصات توجيه للرأي العام، وأصحاب مصالح ـ في نهاية المطاف ـ يجب أن تستمر بأي ثمن وتخدم بصرف النظر عن الاثمان التي يدفعها الوطن. ومن هنا لم يعد مسلسل الاعتداء على الأصدقاء الآمنين قضية فرد فقد توازنه النفسي، بل قضية توجيه وتثقيف، ومخطط تخويف وإرهاب ومقصد سياسي ومصلحي، من اجل شل الفاعلية التي يمكن أن تصبح عليها قوات محاربة جاءت من أقصى الدنيا لتنفذ معاهدات دولية اقرها المجتمع ومؤسساته الدستورية، وفي جو إقليمي بالغ الدقة وسريع الحركة و التغير. خطاب مزدوج إذا كان ذلك واضحا وجليا فان التهوين من الأحداث، التي يرى مراقبون كثيرون أنها سوف تتصاعد في حال عدم الإعتراف بأنها ظاهرة وجب حسم الموقف تجاهها دون التقليل من آثارها الحالية و القادمة أيضا، هذا التهوين يتم لدى البعض بمقارنتها بما حدث لحركات سياسية سابقة، وهذا هو الخطأ بعينه. فالحركة القومية التي يقارن بها البعض أحداث اليوم، لم يكن لها مخالب دولية، ولم يكن لها أيضا تمويل دولي بالغ الثراء، فالراحة التي تقدمها المقارنة الشكلية هي راحة وقتية لا أكثر، لان الظاهرة الجديدة والمنتشرة لا يسندها لدى المؤمنين بها موقف سياسي فحسب، بل موقف عقيدي أيضا من وجهة نظرهم. وأول خطوات العلاج هي مغادرة الثنائية التي جُبل عليها الخطاب السياسي، والقول دون مواربة بأن الحلفاء أصدقاء. وأما الموقف الرمادي والقول بأنهم أصدقاء وغير أصدقاء في نفس الوقت فهو يعبر عن ثنائية يتسلل منها الكثير من اللغط وتفتح الفرص واسعة لتسلل الأفكار المعادية، وبالتالي الأفعال الإرهابية ضد الأصدقاء. لقد خضع الخطاب العربي و تفرعاته السياسية إلى هذا النوع من الثنائية لفترة طويلة، مما جعل الأمر يبدو مبررا ليعبث البعض بالأمن، وكأن العبث هنا عمل «وطني» يثاب عليه من يقوم به. لقد أوقع الإرهاب العرب في السنوات الأخيرة في مأزق، فهو إرهاب أعطى الأنظمة الديكتاتورية عصا طويلة لزيادة القمع في الداخل من اجل محاربة الإرهاب، و أعطى القوى في الخارج التبرير و الذرائع للتدخل الخارجي الفظ، وهو في الداخل اليوم يقوم بنفس الدور، ويصب في نفس الاتجاه، ودون مناقشة أسبابه الحقيقية فإننا ندفن رؤوسنا في التراب من جديد. وللإرهاب شكل آخر في مجتمعاتنا اليوم وهو شكل جمع التبرعات من البسطاء، وهي في كثير منها استدرار العاطفة الدينية، وبدون أية قنوات قانونية أو ثبوتية أو حتى تقديم إيصال مكتوب. فجمع المال يأتي في الدرجة الأولى تحت غطاءين، الأول أن هذه المجتمعات غنية، وبالتالي عليها أن تساهم في رفع بعض المعاناة عن الآخرين، و الثاني أن التبرع المالي الأهلي هو أكثر جدارة من الرسمي. وكلا الافتراضين فيهما من الخطأ الكثير، فالفقر في مجتمعاتنا موجود، وهو بالمناسبة نسبي، و الاهتمام برفع قدرة المواطنين على مواجهة العوز ليس عملاً منطقياً وعقلياً فقط بل وأمنياً كذلك. وقد آن الأوان لتقنين الجباية التي يتم صرفها بشكل عشوائي غير منظم، على أن تكون أولويتها لأهداف داخلية لرفع الضيم ومنع الوقوع تحت ضغط الحاجة لدى المواطنين المعوزين، وهم اقرب إلى المعروف. فزمن البراءة قد انقضى مع أول طلقات الإرهاب الممول جزئيا من تبرعات الناس البسطاء، الذين أرادوا إراحة ضمائرهم في مشاركة إنسانية عن طريق تبرعهم للخير، أو ما ظنوا انه خير، كما أن تقنين التبرعات ووضع اولويات لها من خلال مؤسسات يفرض المجتمع عليها نظاما صارما في المتابعة، هو أمر أصبحت ضرورته واضحة كالشمس. أن وضوح الخطاب السياسي بات ضرورياً، كما بات بث التفكير العقلاني في مؤسستنا التعليمية والتثقيفية من الملحات ومن الاولويات غير المرجئة، فلا يستوي أن يقوم المجتمع بتعاقد دولي ثم يتيح لبعض أفراده، تحت ذرائع شتى وتبريرات واهية، أن يفزعوا ويروعوا من آمن لهم. ـ كاتب كويتي