الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 كتبت الصحف منذ سنوات عدة عن نجمة سينمائية طلبت ارتداء معطف من فرو النمر بهدف الدعاية على الأرجح ومن أجل خاطر عيونها وتلبية لطلبها فقد تم قتل عشرة نمور فقط!! والسؤال هنا ماذا لو كانت النجمة السينمائية هذه مغرمة بفرو الشنشيلا؟ هل سيكون باستطاعة المال أن يؤمن ما تطلبه؟.. المسألة ببساطة تتمثل في انه لم يعد هناك أعداد كافية من هذا الحيوان لتلبية طلبات المولعين بفروه الثمين.. هناك كثير من الناس لا يعرفون حيوان الشنشيلا بالرغم من أن أعداداً منه توجد في حدائق الحيوان وهو ببساطة حيوان من القوارض يشبه السنجاب ويعيش أصلا في دول اميركا الجنوبية مثل الأرجنتين وبوليفيا والبيرو وتشيلي على ارتفاعات عالية في جبال الأنديز.. وتعيش حيوانات الشنشيلا في الشقوق التي توجد بين الأحجار والكهوف في الجبال في جماعات تصل الى 100 حيوان وتحاول حماية أنفسها ضد مفترسيها من الثعالب والبوم والثعابين والصقور فضلا عن الانسان.. ولا تخرج هذه الحيوانات للبحث عن الطعام الا في الليل عندما تنخفض درجة الحرارة وتتغذى على النباتات وهي تستطيع أن تعيش في ظل درجات حرارة منخفضة نتيجة لكثافة فرائها وجلدها السميك كما أن نعومة فرائها تساعدها أيضا في الافلات من براثن وأنياب الحيوانات المفترسة.. ولكن هذا الفراء جلب المصائب للشنشيلا فمنذ القرن السادس عشر كانت هدفا للانسان الطامع في فرائها الثمين فقد لاحظ الأسبان عند غزوهم لقبائل الشينكا الهندية أن الهنود يرتدون بشكل دائم الألبسة المصنوعة من فروه واكتشف الأسبان جودة وندرة هذا الفراء فعادوا الى بلادهم محملين بما استطاعوا منها وأعجب الأوروبيون كثيرا بفرو الشنشيلا وأصبح في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر واحدا من أهم مقتنيات العائلات الثرية والملكية الأوروبية، الأمر الذي دفع الصيادين وتجار الفرو للبدء بشن حملة ابادة بربرية ضد هذه الحيوانات وبدأت السفن تبحر من اميركا الى أوروبا محملة بجلود الشنشيلا.. وخلال فترة قصيرة بدأ الوضع يتغير بسرعة ونتج عن هذا التسابق للحصول على الفرو الناعم والجميل والقوي تناقص أعداد هذه الحيوانات بوتيرة تنذر بكارثة فاذا كان ما صدر من جلود الشنشيلا في عام 1894 من تشيلي وبوليفيا وبيرو بحدود 800 ألف جلد فان ما تم تصديره في عام 1908 كان 100 ألف وبعدها بعام واحد لم يبلغ عدد جلود الشنشيلا المصدرة سوى 30 ألفاً وهذا لا يكفي لصناعة كميات كبيرة من المعاطف النسائية خاصة أن نحو 100 من فراء الشنشيلا تكفي لعمل معطف واحد فقط!! عندها بدأت الحكومات في بلدان اميركا الجنوبية تنتبه أن الحيوان وضع أقدامه على حافة الانقراض بسبب هذا الصيد الجائر فقامت بسن قوانين تحظر بموجبها صيد الشنشيلا أو ارتداء الملابس المصنوعة من فروها غير أن أعدادها كانت قد أبيدت بشكل شبه كامل ولم يبق منها حيا سوى مجموعات صغيرة في بوليفيا وشمال الأرجنتين.. وفي عام 1918 قام تاجر اميركي يعمل في تشيلي ويدعى تشايمان بمحاولة لاستيلاد أفراد هذا الحيوان في مزارع خاصة فجمع 23 صيادا لصيد أكبر عدد ممكن منه الا أن أعداد الشنشيلا كانت ضئيلة جدا فلم يستطع الفريق أن يحصل سوى على 11 حيوانا منها فقط على مدى ثلاث سنوات واستغرق انزال هذه الحيوانات من جبال تشيلي نحو 12 شهرا واتخذ الفريق أكبر الاحتياطات الممكنه ومن بينها الحفاظ على درجة الحرارة التي تعيش فيها الحيوانات حتى لا يفقدوا أيا منها فقد اعتادت هذه الحيوانات على الحياة في المناطق الجبلية التي يتراوح ارتفاعها 2 الى 4 كيلو مترات عن سطح الأرض.. وبينت التجربة أن التاجر الأميركي كان محقا فقد تناسلت الشنشيلا بشكل جيد في المزرعة ولم يمض أكثر من 30 عاما حتى أصبح يعيش بحدود 600 ألف منها في مزارع خاصة للفرو في الولايات المتحدة وكندا كما تم نقل هذه الحيوانات حية الى أوروبا وهي تتناسل الآن في مزارع خاصة بها في الجمهوريات السوفييتية السابقة.. وبدأ الاميركيون والاوروبيون ببيع جلود الشنشيلا ووفقا لأقوال الصحف الفرنسية فقد أصبح اقتناء المعطف من فروها أكثر الدلالات اقناعا على الثروة والثراء.. وفي منتصف السبعينيات تأسس في اميركا الشمالية مجلس الشنشيلا ويضم أعضاء من ست دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والأرجنتين وتشيلي والبرازيل ويهدف المجلس للعمل على تحسين صناعة فرو الشنشيلا وتعزيز التعاون بينهم والتوعية بشأن هذه الحيوانات.. ويعارض المجلس بيع الحيوانات لتربيتها في المنازل كما يفرض مبلغا ماليا نظير بيع فراء كل شنشيلا من أجل دعم منظمات صناعة الفراء وتقديم الجوائز لمصممي ملابس الفراء المتخرجين من المدارس المتخصصة.. ومع أن الكثير من الناس يفضلون دفع مبالغ نقدية طائلة من أجل الشهرة أو النزوة أو من أجل أن يبرهنوا بشكل مقنع بأنهم أصحاب ثروة طائلة الا أن هناك مقياساً آخر للتفاضل حتى بين الأثرياء في قضية الشنشيلا حيث يوجد هناك نوعان من هذه الحيوانات احداها كبيرة ذات ذيل قصير والأخرى صغيرة ذات ذيل طويل والتجربة أثبتت امكانية انقاذ النوع الثاني أي ذات الذيل الطويل وأصبح بالامكان تناسلها واستيلادها في المزارع الخاصة، أما النوع ذات الذيل القصير والتي تتميز بفرو أفضل فلم يتم انقاذها من الابادة ولهذا فان عدد الذين يملكون معاطف مصنوعة من جلود هذا النوع من الشنشيلا اليوم في العالم محدود جدا لدرجة أن بعض الصحف في أوروبا ذكرت أن ثلاثة فقط من أصحاب الملايين في العالم بأسره يمكنهم شراء فرو هذا النوع من الشنشيلا لزوجاتهم!!